المال ان اعطيته يغنيك، يتحول فيك الى ثراء روحي. لك ان تجعله صنما او تجعله اداة. هو بحد نفسه ليس سيئا ولا حسنا. يصبح وسيلة عيش للفقراء ومن عف من الاغنياء وعف اي من استغنى قلبه عنه وامتلأ من الكلمة وجعلها كنزه. واما من ابتلع المال يبتلعه المال. اذذاك انت عبده وقد لا يستعبدك شيء مثله بسبب ما وراءه من قدرة. وفي هذا قال الشاعر: المال تزري بأقوام ذوي حسب/ وقد تسوّد غير السيد المالُ. نحن اذاً مع ظاهرة كبيرة الطاقة، كثيرة التعقيد، مع شبكة من العلاقات خانقة فيها خلابة وتاليا فيها مرارة الخلابة. شيء يضج كالعمالقة ويسود العالم كله والتاريخ ويسقط الكثيرون امامه صرعى لكونه يفتح امامهم مجال اللذات كلها التي غدت منذ الدهور آلهة في وعينا وفي غير وعينا والآلهة تخطف العقل.
وهنا يتساوى الفقراء والاغنياء. فالاغنياء يستمتعون والفقراء يشتهون المتعة اي ان المال يسبيهم كما يسبي الاثرياء. والشهوة فيها قوة الجذب التي تغذيها. فالاغراء ليس كامنا في الثراء ضرورة. فقد تكون ثريا ومتواضعا ومحبا. ولكن عندنا، في العربية كلمة اخرى وهي كلمة الغني والغني هو الذي لا يحتاج الى احد في شيء وكل احد محتاج اليه. يقول لسان العرب ان هذا هو الغنى المطلق ولا يشارك الله تعالى فيه غيره. اما اذا بقيت فقيرا الى الله والناس في ثرائك تصبح مسكينا بالروح كما يقول متى في عظة الجبل. غير ان هذا لا يتوافر لك الا اذا شاركت. فإذا فعلت ينقص مالك واذا فعلت ذلك كثيرا ينقص مالك كثيرا واذا احببت كثيرا فلا بد من تبديد الكثير على المساكين حتى اذا دنوا بذلك من شكر الله تكون انت قد دنوت منه ايضا. تكون قد ابطلت رغبتك في الدنيا لتجعل رغبتك في الله. فالمسألة هي ماذا تحب او من تحب. وقدرة التحول من رغبة الى رغبة هي في قلبك. “يا عبد كل شيء قلب”. الصراع كله يدور بين الجامد والحي واريد بذلك الجامد فيك بسبب من الشهوة والحي فيك بسبب من النعمة.
الفضة جامد يتسلط عليك فتجمد مثله. ولا وفاق بين الجامد والحي واذا سيطر احدهما يصبح سلطانا على وجودك. ولذا قال المعلم الناصري: “لا يقدر احد ان يخدم سيدين. لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال” (متى 24:6). في هذا لاحظ المسيح امرا واقعيا اننا لا نستطيع الا عبادة واحدة. للمال تكون او لله تكون. السؤال الذي على الانسان ان يطرحه على نفسه هو من اعبد اي من هو الذي اسلمه نفسي واسوده على جوارحي، من يحركني. وقد تكلم يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله عن المال: “ان حبه يغلب كل حب ويطرد من النفس كل رغبة اخرى”.
لهذا قال بولس: “ان الطمع عبادة وثن” (كولوسي 5:3 وافسس 5:5). وكأنه يقول: انك اعتنقت ديانة وثنية وانت مسجل في ديانتك لأنك ارتكبت الشرك. ذلك ان في هذا التعلق قدسية وتبذل في سبيل ذلك كل قواك وكل وقتك.
لما كنت ساذجا كنت اقول في نفسي لماذا تقوى دائما شهوة الاثرياء اذ لا يستطيعون ان يأكلوا اكثر من غيرهم. والانفاق على الثياب والامتعة والسفر والقصور له حد. غير اني ما كنت افهم في شبابي ان الاثراء لا حد له. ليس الكم هو الذي يحدك لأنك اسلمت الى شهوة اذا هي سادت لا توقفها قوة بشرية. انها مستقلة عن كل اعتبار. هكذا الجنس اذا تحكم واضحى مبتغى من اجل ذاته. انه يولد نفسه بنفسه. هكذا القمار وهكذا الشراهة. كل هذا يأتي من الشعور بأننا ناقصون اذا لم نستسلم للنهم كائنة ما كانت صورته. الانسان لا يكتفي بأن يكون بعضا من الدنيا. يريد ان يلتهمها كلها التهاما اية كانت صورته. من منا يبغي ان يلتهمه الله حتى يتحرر قلبه مما لم يكن الإله. القصة كلها في هذا على من تتكل، بمن تؤمن، ماذا ترجو، هل انت تخشى المستقبل ولا تعرف اذاً ان الله معطيكه وانك قادر ان تتجلى بما فيك من فضائل ولا تتجلى بمتاع الدنيا. المأساة انك عارف بأن احدا في الدنيا لا يحبك بما هو عندك ولكنهم يحبونك بسبب حبك لهم اميسورا كنت ام غير مأسور. من يعرف ان الدنيا مملكة القلوب؟ من يعرف انه بالاقتناء المطلق المنغلق على ذاته يطرد الانسان نفسه من عالم القلوب؟ لذلك قال المعلم: “حيث يكون كنزك هناك قلبك ايضا” (متى 21:6).
لعل بعضا من تشهي المال يأتي من اعتقاد الناس ان ما نملك عطية من الله. أليست العبارة الشعبية: “هذا انعم الله عليه؟”. لم اعثر على هذا في كتبنا. قد يكون ذلك اذا عرفك ربك معطاء. ولكن اذا جاءك هذا من ارث او من مورد غير شرعي فما حكاية الله؟ الكتاب يتحدث عن المال على انه موجود ومن بعد هذا تتداوله. فإن تداولته بما يرضي الله اي بما ينعش المحتاجين اليه فما ينعم الله عليك به هو ما تعطيه لا ما تحتفظ به. وكما يقول سمعان اللاهوتي الحديث ان الاموال “ليست لأحد من حيث الملك”. وكما يقول باسيليوس الكبير: “انت تستعمل الغنى كوكيل عليه وليس كمستمتع” (العظة السابعة ضد الاغنياء). ايا كان مصدر ما تقتنيه اصبحت بالاقتناء مؤتمنا على ملك الله تستعمله لنفسك وللآخرين وفق قاعدة المحبة التي اسمها في هذا المجال مشاركة. المال يذهب الى من يحتاج اليه. له حق فيه ويجب ان يعطاه وجوبا وليس تصدقا ولو كان جذر هذه اللفظة في الكتاب. لا يخيرك الله بين العطاء والكف عن العطاء فإنك عنده مفوض بالعطاء حسب قدرتك.
السؤال اي مقدار اعطي ليس بمحله. فعلى قدر ما تحب تبذل. وعليك ان تقوي رغبتك في البذل لكي تهرب من عبودية المقتنى. الا ان المسألة لا تنتهي هنا اذ لا يكفي ان تشارك وتبقى على البذخ. فأنت مقيد بالحشمة. ان تنفق مبالغ خيالية على ضيوفك واعراس بنيك امر يخالف الحشمة. نحن نحيا في حياء وخفر وعفة هذا يفرض نموذج سلوك. مع ذلك انا لا افرض على الناس العسر فلست اقول لا تقتن مكتبة غنية ان كنت غنيا مثقفا وما انا بقائل لا تشتر لوحات فنية ان كنت حقا ذواقة للفن ولكن انتبه الى لملمة سلوكياتك بحيث لا تجرح مشاعر الناس.
اعود فأقول ان المسيح لم يرذل الاغنياء ولكنه بيّن الاخطار الروحية المحدقة بهم. وهي تحدق بكل من حصل على حسنات الدنيا. فالخطر محدق كثيرا بالانسان الجميل وبالانسان المثقف. الكبرياء مصب ممكن للحسنات المتعلقة بطبيعة الجسد وطبيعة العقل. ليس الغني وحده يعسر عليه دخول ملكوت السموات. انه يعسر على الجميل والذكي ايضا. لذلك لا بد لنا من دوام اليقظة لئلا نقع في التجربة.
غير ان اغراء الغني في آخر المطاف ان يقع في تجربة التسلط. تلك هي الخطيئة التي لا بعدها خطيئة لأنها ليست فقط اقصاء للآخرين. انها الغاء. انها الشعور بالاكتفاء والاكتمال وهي تحديدا نكران لسلطان الله على البشر. قبل ان تستولي على ميسور كبير قد يتعرض للتبجح والمجد الباطل ولكن اذا حلت تفتك لأنها تنكّر لكيان الآخرين وامجادهم المشروعة. انها استعلاء على الطاهرين والمتقين ربهم.
المال قد يستعبد صاحبه ولكن اذا اشتهى السلطان فإنه يسخر الآخرين لمجده ويريدهم متحلقين حوله ومستمدين منه مكانتهم. هو يحدد لهم هذه المكانة. ان الخطايا متداخلة. وتشابكها يحكمه منطق صارم. فكما ان السارق كاذب لا محال وقاتل احيانا يتحول المتشهي متاع الدنيا الى مستبد بمن حوله. الثري الطامع ليس بشرا سويا اذ لا بد ان يذهب عنه ذلك الاستقلال الذي يصنع له انسانيته. فإذا ذهبت روح المشاركة فأنت مستعبدهم، تسكتهم حتى تتكلم وحدك. قبل وصولك الى هذا لا تقدر ان تحس انك موجود ما لم تتب وتفهم ان الله موجدك برضاه. العفة عن الرغبة في القدرة وفي السلطة هي العلامة الاخيرة انك اسلمت لله قيادة حياتك. عند ذاك فقط لا تستعلي. فإذا اتضعت لا تفتخر بما تملك ولا بقوتك اذ تكون قد افتخرت بنعمة الله عليك. تكفيك عندئذ هذه النعمة.
