لا يزال ابناء كنيستي يتغنون بالفصح. لماذا هم سكارى الى هذا الحد؟ لماذا لا نقول شيئا آخر؟ لماذا لا نستطيع؟ في سفر الرؤيا ٨:١٣ يرد الكلام عن “سفر الحمل (بفتح الحاء والميم) الذبيح قبل انشاء العالم” وبالرجوع الى رسالة بطرس الاولى “المسيح هذا كان قد اصطفي قبل انشاء العالم” (1: 20) وبالمقارنة يتبيّن انه قد اصطفي للصلب قبل كون الخلق، أكان في علم الله السابق بخطيئة الإنسان ام لا. القديس مكسيموس المعترف علم ان السيد كان لينزل الى الأرض أاخطأ الانسان ام لم يخطئ وفي الحالتين هذا موت حب. خلقنا وخلاصنا واستمرارنا واشتراكنا بقيامة المسيح، كل هذا ثمرة المحبة الإلهية. وهذا هو العيد بكامل جوانبه.

                      لذلك عندما قال المعلم: “الآن تمجّد ابن الانسان وتمجد الله فيه”(يوحنا 13: 32) كان واضحا من حرف الجر في ان مجد الله كان قائما في جسد المسيح ودمه المراق. اي ان سمو الله وجلاله وقدرته وانعطافه علينا باتت في ذبح البشرية للابن لأن شيئا من الله لا يبدو حقيقة وفي العمق، الا اذا أبان هو نفسه في الحب المسكوب للبشرية.

                      عندما يسألنا الذين لا يؤمنون بهذا: لماذا هذه الذبيحة؟ أما كان الله قادرا ان يتكلم على محبته تكلما دون ان يجسدها بهذه الطريقة. أجل كان هذا ممكنا ولكنه اختار ان يفعل هذا. وبعد معرفتنا بالتجسد بتنا قادرين على فهم هذا الاختيار الإلهي. لقد آثر الله ان يكشف قرباه بهذا الأسلوب. هذا كان خياره الأزلي كما يقول العهد الجديد. ماذا لك على الله اذا أنسَ ابنه لنراه في أفعال ظاهرة فيأكل ويشرب ويشاركنا الموت فلا يكون غريبا عن حال من أحوالنا ما خلا الخطيئة.

                      لم يكن الله في حاجة إلى ان يقدم ابنه في كفارة دم. هذا تفسير سُمِع (بضم السين) عند مفسرين ما كانوا ينتمون إلى التراث. نحن ما همنا دم يسوع إلا سبيلا إلى الحياة الجديدة. همنا في هذه الذبيحة معنى الألوهة فقط تنسكب في نطاق الموت بجسد يسوع ليُعتَقَ (بفتح التاء) الإنسان بمحبته للمصلوب والقائم من الموت. في الجمعة العظيمة التي ندشن فيها الفصح لا نبرز الصليب فقط ولكن النزول عن الصليب. وعباداتنا يوم هذه الجمعة بالذات عبادات قيامية لا أثر فيها للحزن، نحن لا نتفجّع على المسيح ولا نهتم عاطفيا للظلم الذي لحق به. اننا مشدودون عبر آلامه الى هذا الذي سماه الكتاب فصحنا اي الى المسيح الظافر. يسوع هو نفسه الحياة قبل ان نعلن النصر في اليوم الثالت.

#             #

#

                      نتيجة لذلك نحن لسنا ديانة الألم ولسنا نستلذه مرضا او وجعا ولا يعني الشرق المسيحي شيئا ان يصاب انسان في بدنه. نحن لا نعزيه بأنه شريك سيده بالآلام. هذا لم يرد في قولة واحدة في العهد الجديد. اجل، تكلم بولس كثيرا عن مشاركة الآلام ولكنه عنى فقط شيئين اولهما اننا نموت معه في المعمودية وثانيهما اننا نغدو شركاءه اذا سعينا الى اماتة الشهوات فينا. هذا الاستلذاذ بالمرض واشتهاء الوجع او ان نبقى فيه هو من المازوشية ورغبة في شيء من الموت والمسيح معلم الحياة ومعطي الحياة ومن خدمته -لما كان في البشرة- ان يشفي مرض العقول والاجساد والخطيئة، الأمر الذي خصصت له الأناجيل صفحات كثيرة واعتبرته تبشيرا بملكوت السماوات.

                      انت ان مرضت تلجأ الى الله للإستشفاء لا لدوام المرض فيك. ان الملكوت نهاية الاوجاع وعليك ان تسعى الى الملكوت منذ الآن اي ان تصلي وتدعو الكهنة ليدهنوك بزيت وتدعو الطبيب للمعالجة.

                      نحن اذًا مع المسيح الحي. المهم الا نكون نحن من قاتليه. من العار ان نكون قوما فاتكًا بالله كما فعل اليهود والرومان قديما. يقبل المسيح جراحاتنا ويغفر ولكن نحن الذين اصطبغنا به كيف لنا ان نكون خائنين؟ الله يحتمل خياناتنا وينتشلنا منها ان صرنا من التائبين. واذا كان يهوذا صورة عن الخيانة المطلقة فهذا خنق نفسه قبل موت المسيح فنزل الى الجحيم ولما نزل اليها المسيح بموته اعتقه كما اعتق كل الجنس البشري الساقط والأبرار. ايقونة القيامة عندنا تمثل السيد بثياب بيض في مملكة الموت ينتشل منها آدم وحواء وكل ذريتهما حتى لا يبقى احد اسير الموت او اسير المعصية. واذا فهمنا قدرة المسيح على خلاصنا لا يضع احد على جبينه اكليل الشوك من جديد ولا يضربه بقصبة ولا يسمر يديه ورجليه بمسامير ولا يطعنه بحربة. من المسيحيين من يطعنون المسيح كأنهم لا يؤمنون بفدائه.

                      مع ذلك لملم منذ صلبه ويلملم اليوم كل شراذم البشر، الزواني والعشارين ومن اليهم. المصابون بالعمى الروحي يعيد اليهم البصيرة اذا قبلوه. قد تسمى باسمه وتحيد فعلا عنه فاذكر ولا تنسَ انك قد تصير مثل يهود ذلك اليوم والرومان. لا تقبّله بقبلة غاشة كما فعل يهوذا لأنه هو يقبلك بقبلات شفتيه للإيحاء اليك انك لا تزال حبيبه.

                      لا تتظاهر بالولاء له لأنك لا تستطيع ان تغشه وكما دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة سيدخل اليك ولو رفضته يقرع باب قلبك ويتعشى معك وتتعشى انت معه فإنه ضمك اليه قبل ان تلدك امك. وسيأخذك على صدره كما فعل بالتلميذ الحبيب في العشاء السري ويسميك باسمك كما سمى مريم المجدلية في البستان بعد القيامة فعرفته.

                      فيك اشياء كثيرة تجعلك حاجبا عينيك عن رؤيته. هذه الرؤية اساسية لتحيا. لن تحيا بمالك وقوتك ونفوذك وجمالك وعقلك. لست أنكر سحر هذا كله. ولكن قدرة المسيح على ان يسحرك اعظم بكثير. لا تضيع وقتك بما هو دون ذلك فإن المسيح بات فصحك اي عبورك الى الآب. وان احببت ان تصعد معه اليه فهو يجلسك الى عرشه منذ الآن اي قبل ان تأتي قيامتك وتجالس بعد القيامة من كانوا طيبين في الأرض أعرفوا اسمه ام لم يعرفوا لأن البهاء الروحي الذي يكون فيهم هو مصدره.

                      واذا عيدنا نحن للفصح ولا نزال قائمين في بركاته فليس لنحتكر ذلك وليس لأننا افضل الناس. ونحن للناس جميعا في أخوّة واحدة. ولكل انسان في هذه الدنيا انبعاثه من خطاياه ان كان من التائبين. ونحن لسنا كتلة منفصلة عن البشر لأن المسيح جاء ليبشر ان الناس جميعا من عائلة أبيه ان هم ارادوا ذلك بالعمل الصالح.

                      اما نحن فنعرف انه هو “الطريق والحق والحياة” ولكنا نعرف ان الذين يحبون الله من اي صوب جاؤوا هم شركاؤنا في المجد وليس لنا باللحم والدم ميزة على آخر ولكنه اختارنا نحن اتباعه لنعرفه كما كشف لنا نفسه بالكتب وله طرائقه ليكشف نفسه للطاهرين في كل أمة. ولا يفرق بيننا وبين الآخرين في حبه.

                      في هذه الدنيا عقائد مختلفة ولكل منا اخوه في المعتقد. ولكن محبتنا واحدة لجميع الناس بما فيهم الذين يشكون. نحن والعابدون لله والعابدون لذواتهم، نحن جميعا ابناء الله الواحد الذي يصطفي من يصطفي ولا نحاسبه على اصطفائه. وربك يدين كل امرئ على ما في قلبه ويحيي القلوب الجافة ويقيم في كل قلب بشري صار طريئا.

                      هذا هو الفصح الأخير وإطلاله على فرح السماء.