فتشت عبثًا في العهد الجديد عن لفظةعائلة او عيلة الا اذا سعيت الى المعنى مداورة في كلام متى على المنحدرين من ابراهيم وفي كلام لوقا على المنحدرين من آدم. ذكر العائلةككيان غائب لأن المسيح جاء ليخلّص الإنسان لا كتلة مجتمعية فيها السوء والصلاح واختلاف الطبائع. الفرد هو الذي يهتدي الى الرب او ينشز فيصبح اذا اهتدى من عائلة الآب ويبقى ابواه واخوته من شراذم الدنيا. تتبعثر الجماعة ويبقى المهتدي الى ربه والضالّون الى شياطينهم.
غير ان العهد الجديد لا ينسى مسؤولية الوالد والوالدة والأبناء والبنات. اما القول في بعض الأوساط ان العائلة خليّة في الكنيسة فلم أجد له أثرًا في ما دفع مرة واحدة الى القديسين. ليس من دعوة الى ان تصلّي العائلة معا في وقت واحد وان تستخدم كلّها النصوص اياها فهذا من باب التربية وقد ينجح الأمر هنا ولا ينجح هناك.
العيلة واقع عملاني وليست واقعا كينونيا. على مستوى العمل والرعاية والافتقاد لا غنى عن هذا الواقع وقد أجمع علماء النفس المعاصرون انه وان كثرت المساكنة وتشريعها بالزواج في عدة بلدان من الغرب تبقى العائلة حاجة انسانية لا غنى عنها. قرأت بسرعة هذا الأدب غير انه يزيّن لي ان التوازن النفساني والنضج العاطفي معرضان للاختلال الكبير ان كان احدنا لا يعرف اباه وامه او عاش صريع خلافاتهما او رأى احدهما يرتكب الكبائر والظلم والعسف والغضب الشديد بحيث امكن القول ان انفكاك العائلة ينتج عنه انفكاك الشخصية.
في الطائفة الارثوذكسية قاضيت كل العائلات التي تقدّمت استئنافا بدعاوى طلاق خلال اثنتي عشرة سنة كما قاضيت جزءًا من هذه الطائفة بداءة. لن أحدّثكم عن فحصي للعائلات التي رغبت في الانفصال. هذا يخرج من اهتمامي في هذا المقال يهمني الأذى النفساني اللاحق بالاولاد. هنا امكن التقرير ان الاضطراب النفسي وخلل الطبائع والاكتئاب سيئات تلحق بالبنين والبنات لا سيّما اذا كانوا صغيري السن لا أطفالا رضعا ولا متقدمين في الرشد. ولكن القاعدة العامة ان الأذى يحلّ بالأولاد كذلك الخيبة من الأهل ولاسيّما اذا بانت خطاياهم للولد. كل خطيئة تولّد صدمة وكل صدمة تصدعا في النفس بمقادير مختلفة حسب الوضع العائلي المنهار.
في الواقع كان الانهيار واقعا قبل الخلاف واستدعاء الطلاق وكان الحزن قد دخل الى هذه النفس او تلك النفوس التي تؤلّف العائلة.
لست أعرف نفسيّة الأولاد في الكنائس المسيحية الأخرى التي ليست عندها قانونيا طلاق ولكن عندها الإبطال. تصوّري انه مهما كانت التسمية فالعائلة الكاثوليكية تعرف الانفصال ونتائجه.
لا أعرف شيئا عن سيكولوجية الأولاد المسلمين الذين ينفصل ذووهم بالطلاق. هل تشريع الطلاق في الإسلام يجعل الولد أكثر قبولا لهذه المؤسسة؟ نحن في حاجة الى دراسة سوسيولوجية مستفيضة هنا ولكن ظنّي ان الولد المسلم اية كانت الشريعة التي يألفها يحب بقاء ذوويه معا وان يظلّ ملتصقًا بهما.
# #
#
ما يجعلني أوافق على ان مؤسسة الزواج باقية هو ان الزواج وحده يرعى صحة الأولاد وعافيتهما السيكولوجية بدءا من انه ليس من بديل عن الأم. يهمّ كل انسان ان يعرف ممن جاء الى هذا العالم. لذا يبقى الغربي سنوات اذا فقدهما او فقد معرفتهما يفتش عنهما في كل اقاصي الأرض. هكذا الانسان مفطور على انه يريد صلة على الأقل بأمّه. هو يعرف انه نما فيها طوال تسعة أشهر وانها حاضنته مهما طال عمره لأن حبل السرة وان قطع حسيا لا يقطع نفسانيا وكأن الانسان ابدا جنين وعندما يوارى الثرى يعود ابنا للأرض التي منها أُخذ. الأم والأرض والمدينة واحد ومنها جميعا جاء الانسان.
علاقتنا بالأب هي علاقتنا بالتاريخ العائلي المعروف عند اهل المال وغير معروف عند الفقراء ولكن الشعور بالماضي يلهمنا الشعور بالاستمرار. هناك رعاية للأب تتمثل في قوته وسيادته. وهذه القوة نعرفها متصلة بالأحشائية. كيف تتواصل سيادة الوالد على ولده والتصاقية الأم به في هذه الموهبة التي تدعى العائلة لمن استعملها سالمة هذا هو من نعم الله علينا. هذا يكشف حب الله لنا في هذا الثالوث الذي هو الأب والأم والوليد.
هنا تثار علاقة الأخ بأخيه او أخته. كيف تتجلّى العائلة عند ذاك؟ هل من مكانة لهذا التعدّد؟ اذا كان حب الأهل للأولاد عموديا فالحب الأخوي أفقي بمعنى تشابه الإحساس عند الإخوة والأخوات بقوة الأب او سيادته من جهة وبالأصول الرحمية تجاه الأم. طبعا هذا كله غارق في العقل الباطن. شعور هذا الولد تجاه امه وأبيه ليس واحدا او ليس بالعمق نفسه بين الاخوة والأخوات. لهذا أرى ان الصداقة بين البنين والبنات هي الطاغية على شعور أحدهم للآخر. من هذا المنظار كانت العائلة مكان التلاقي الشعوري بين الإخوة.
واذا كانت الأخوة هي صداقة أكثر من انتمائها الى اللحم والدم يكون ايثار الولد الواحد على بعض من الكثرة إضعافا لنمو الصداقة عند الإنسان في العيلة. البيئة العائلية دفء مفيد جدًآ للنمو الأسري. قد يعطل الخفر والخجل او عوامل أخرى تنمية المودات خارج العائلة وكثيرا ما يظهر العداء بين الإخوة ولكن الناموس الطبيعي ان ينشأ الحب ويكبر في اخوّة سليمة.
أنا أجيء من عائلة فيها ثمانية أولاد وما كان أبي على ذلك اليسر الذي يقال اليوم انه واجب لإكثار الولادات. ولم أسمع اصلا ان والدي يتأفف من اقتصاد علئلي معتدل. ذقنا صعوبات قليلة في الحرب العالمية الثانية. أءخلنا جامعات وما كان احد يقول في وسطنا الجامعي كيف يسجل هذا ابن متري خضر في جامعة ويعيش في العاصمة ونحن لسنا ابناء العاصمة.
كنّا ندرس على ضوء القنديل اذ لم تكن الكهرباء تضيئنا آنذاك ونمشي على أقدامنا وكانت العائلة تصادق عائلات مسلمة. كنا نعيش معا في الحي وتعلّمنا نحن ان نحب المسلمين وما سمعت واحدا من الناس يقول لفقره لا أريد ان استخلف.
النصيحة الوحيدة التي كنت استمعها من الكهنة ان أطع أباك وأمك وعليها كانوا يزيدون احبب قريبك كنفسك. المسيحية العملية كانت هذه عند مرشدينا الروحيين والمسيحية النظرية تأتي من القداس واذا انت أتممت هذا كانوا يعتبرون انك بلغت الرشد الروحي الذي يكلل فيك كل مسعى.
العائلة كانت في عمقها الروحي تقوم على انشاد امي وبهاء ايقوناتها والخفر يضطرني الا أتكلّم على نقاوة والدي. الطهارة الكاملة في الكلام كانت مما لا يناقش لزومها. واستقامة الرأي التي كنا عليها مذهبيا كانت تقتضي استقامة السلوك اذا اردت ان تحس انك من هذه العائلة.
لست أعلم اذا تقيدنا بكل ذلك ولكن هذه كانت سياسة العائلة اذا أريد للعائلة البقاء. هي لا تبقى في الإيلاد ولكنها كانت تنمو بالولادة الجديدة التي من فوق.
العائلة تتلاشى في عائلة الآب او لا تكون.
