هدوء الصوت في الحديث من هدوء الشخصية، والشخصية السليمة المطمئنة تتحكم بالأعصاب. الصوت العالي في الكلام يدلّ على انّ المتكلّم أصمّ جزئيًا او هو يعرف أنّ محاوره أصمّ جزئيًا.

طبعا الصوت الخافت كثيرًا لا يبلغ مسامع أحد. المطلوب أن تعرف أيّة قدرة لمحدّثك على السمع حتى تضبط صوتك ليسمعه هو وليس شخصًا آخر لا علاقة له بالموضوع.

الصوت العالي جدًا ضجيج، ويسمّى ذلك في أيّامنا التلويث بالصوت. المطلوب الفهم، والصوت فقط أداة للإفهام وليس تبرّجًا. لذلك طلب القديس باسيليوس أن تقيس المسافة بينك وبين محدّثك وأن تعطي لصوتك الحجم لكي يصل.

اذا رفعت صوتك كثيرًا فمعنى ذلك أنّك تؤْثر الصوت (اي الضجيج على المعنى) وانك لست في الحقيقة تطلب المعنى. هدوء الصوت إشارة الى أنّ قلبك او عقلك غير مضطرب. واذا كنت ماشيا على رصيف في الشارع ورأيت صديقك يمشي على الرصيف الموازي فلا تصرخ له بل اذهب اليه اذ لا علاقة للمارّة بما تقول وقد يؤذيهم ما تقول.

بصورة او بأخرى كل صراخ تعبير من تعابير الغضب، والغضب يؤذي صاحبه أولاً ثم يؤذي من تغضب أنت عليه، او من رواسب غضب لم تعبّر عنه سابقًا.

الحزن الكثير او الفرح الكثير (الهيصة) لا يبرّران اللجوء الى الصراخ. الصراخ كزئير الأسود او أصوات حيوانيّة أخرى لأنها في حاجة الى إخافة حيوانات أخرى او الى طردها في حين أنّ البلبل يغنّي.

لهذا السبب نأمر أن تُقرأ المزامير او تلاوات الأنبياء في غروب الأعياد الكبرى بصوت لا يعلو ولا يهبط، وفي الترتيل ممنوع الطرب اي كل ما يجعلك تفرض مشاعرك كقارئ على الناس اذ المبتغى إيصال المعنى، ويتحرّك قلب الرعيّة حسب استعداد كل واحد للفهم او التأثّر الروحي فأنت لست سيّد الخدمة. الكلمة وحدها هي السيّدة.

في اجتماع لي مع كهنة من مختلف الكنائس سألني كاهن من غير كنيستنا: لماذا لا تحرّك العواطف؟ قلت له ان في الكلمة الإلهيّة كما أسعى أن أعبّر عنها ما يكفي ليصل اليك الشعور الإلهي وليس شعوري الشخصي. أنا مجرّد قناة للفكر الإلهي وأنا أريد أن أعطيك الله لا فكري.

وقد أثبتت لنا التجربة إن كنت تريد ان تدحض حجة واحدٍ او مزاعمه أن خير طريقة لإفحامه هو الصوت المنخفض. الهدوء خير تعبير لنجاح فكرتك. الله لا يسكن الضجيج.