أوّل ما نقرأه في إنجيل اليوم (لوقا 6: 31-36) دعوة من يسوع إلينا أن نعامل الغير مثلما نريد أن يعاملونا. الغير موجود على طريق حياتي. هذا هو الذي كلّفني الله به. صرتُ أنا مغذّيه إن جاع ومكلّمه إذا أحس بالعزلة. أفتقده في كل حاجاته. أنا أبادر إلى كل ما يعود عليه بالخير, ولستُ أنتظر ان يسألني شيئا.

أحبه ولا أنتظر منه شكرا. لا أشترط فيه خصلة من الخصال لأخدمه. وقد لا يكون هذا نسيبي أو صديقي. المحبة ليست قائمة على تبادل المشاعر. أنا أحب من جهتي, وقد لا يردّ على المحبة. أنا أحبه وأخدمه طاعة للمسيح.

وكثيرا ما أُقرضه مالا ولا أرجو أن أستوفيه. المحبة المسيحية ليست تعاقدا. إنها تعطى من طرف واحد. تعطى لأي إنسان يحتاج إليها. وإذا عرفنا ذلك نفهم قول السيد: «أَحبوا أعدائكم». إذا عاداني إنسان، يؤذي نفسه ويحزنها. إن طلب إليّ السيد أن أنقذه من هذا العداء، أنا أعالج نفسه. ولكوني عرفت انه واقع في البغض أو الحقد أو الحسد أو النميمة، أصير طبيبه. تعيّنت طبيبا له لأني عرفت أنا مرضه. أفكر بنجاته ولا أفكر بالجرح الذي أحدثه فيّ. وإذا جافيته أو كرهته ينخفض مستوى إنسانيتي, أصبح قزما, أدخل في لعبته. وإذا عرفنا أن المحبة غير مشروطة، يهون عليّ آنذاك أن أفهم: «أحبوا أعداءكم». فكما ينعم الله على غير الشاكرين والأشرار, أوزّع أنا نفسي على من أحبني ومن أبغضني على السواء. قلبي متّسع للدنيا, لذا اختتم الإنجيل هذا الفصل بقوله: «فكونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم».

فكما أن الرب يعامل جميع الناس بالحسنى والنعمة والرأفة والأبوة، أكون أنا كذلك. يتّسع صدره لكل أبنائه الصالحين منهم والسيئين. كل فئة من الناس يستعمل الله معها أسلوبا ليوصلها إليه. ربُّ البيت يحب الولد الطيّب والولد المشاكس, الشرير. له مع كلٍّ من أولاده أسلوب. نحن أيضا، إن عاملْنا الناس جميعا بالعطف الواحد، لنا ان نتدبر حياتنا مع الناس بأساليب مختلفة، والغاية تبقى ان نكشف لهم في سلوكنا الحنان الإلهي.

الإنسان فيه قسوة وفيه أذى وفيه استغلال وحبّ السيطرة. فيه كل الأفاعي. هذا يجب أن تحبه علّك تقتل الأفاعي. لا يفنى الشر الا بالخير والمسامحة وعمل البنيان. السلبية لا يقضي عليها إلا الإيجابية. وأعلى من الإيجابية المبادرة في الخدمة. أن تكون أنت غاسل أرجل, هذه هي رسالتك. هكذا فعل يسوع.

العلاقة الإنسانية ليست تعاقدًا ثنائيًا تقوم على هذا التفاهم أني أُعطيك إن أنت أعطيتني. هي علاقة ثالوثية ناظمُ العقدِ فيها هو الله. «الله أحبّنا أولاً» وهو الذي يحبّنا خلال عمرنا على الأرض، ووحده يتلقّانا عند موتنا واليوم الأخير. أنا أرحمك لأني تعلّمت أخلاق الرحمة من الرب حاضني. وإذا نظرنا إلى الناس بعيني الله، نراهم على رغم خطاياهم أحبة له.

في هذه الأرض ينبغي ان نكون مستعدين للتعامل مع الكل. ومن حالتهم نرتقي بهم أو نسعى. هذا موجع للإنسان الحساس وموجع للطاهر الذي يصدمه غير الطاهرين. غير ان الرب جعل كل إنسان مؤمن حارسا لأخيه، وان لم يقبل هذا التفويض وترك غيره بلا رحمة يكون قد سلّمه إلى الموت.