في كلام الانجيل عن الدينونة شيئان يلفتان: أولاً اننا ندان على مقدار الحب الذي بذلنا وثانياً ندان على المواهب اذا استغللناها لانه يجب ان تنسكب للناس لتصير قربانا لله ولأنه يجب ان نثرى ونجمل في ما الرب أغدق علينا ولا نطمر الوزنات كعبيد كسالى. أما في ما يتعلق بالحديث الذي تذكر فيه الدينونة اسما فيعجب المرء ان الرب لا يسائلنا عن صلاة أديناها او صيام قمنا به ولا يأتي على ذكر الوصايا العشر ولكن على المحبة ان مورست. وليس ذلك لكون الفكر الانجيلي يهمل الشريعة الموسوية القديمة ولكنه يرى ان المحبة كمالها الوصايا العشر ايضاح تعبير عن رؤية لله في القلب وعن رؤيتنا للانسان في الله. ومن لم يبلغ هذا يحتاج الى تدريب الوصية والقانون.

العهد الجديد لا يلغي موسى. يتجاوزه. يأخذنا الى العمق. ويريدنا ان نخرج من العمق لنتعاطى الصيام. وقبل ان نتعاطى الصيام شاءت الكنيسة ان تضعنا امام الرؤية الكبرى وهي ان الله في الانسان الآخر وانه يستحيل عليك ان ترى وجه الله الا اذا رأيته في وجه بشري مدمى او جسد جائع او نفس طريحة في وحشتها. الله لا صلة لنا به الا هنا ليس من خلال الناس ولكن في الناس. واذا قال يسوع: “لا أحد يأتي الى الآب الا بي” فإنما لا يكتفي باعتبار نفسه الوسيط بين البشر وخالقهم ولكنه يوسع مدى كلامه ليعني ان أحدا لا يأتي الى الله الا اذا وجده في الانسان الآخر.

استعدادا للصيام الكبير نقرأ غدا انجيل الدينونة في متى ومطلعه: “كنت جائعا فأطعمتموني” وبعد هذا “كنت جائعا فلم تطعموني”. ليس من شيء آخر. في آخر الازمنة او في آخر مطاف الانسان الفرد يحاكم الله الانسان على قلبه. شيء في الاخير سيحدث وهو ان الله يدين سرائر الناس. معنى هذا ان الله لكونه الحقيقة فاضح الانسان، انك لا تستطيع ان تمازح الله. انت يمكنك ان تكون مهرجا هنا او مخادعا او متذاكيا وتركّب كل تبرير يغطيك وتتلاعب بين ميدان الابليسية وميدان الألوهة وكلاهما فيك. لكنك لا تستطيع أن “تبلف” الله لا اليوم ولا غدا ولا تقدر -ان كنت قديسا عظيما- ان تتعاظم امامه لأن قداستك، اذ ذاك، تنهار وتعود قزما كما كنت قبل محاولة القداسة.

الأهمية في فكرة الدينونة ان الناس جميعا يمثلون صغارا في حضرة الرب، عراة لا يغطي عورتهم شيء ولا يحمل أحد في يمينه تذكرة دخول الى السماء لكن رب السماء يمد ذراعه من الداخل ليأخذهم في رحمته. ليس اننا نموت روحيا لو تباهينا بفضيلتنا ولكن “برنا امام الله كخرقة الطامث” كما يقول اشعياء. الله وحده يقرأنا ويقرأنا دائما قباحا ويرحضنا بماء حنوه لانه هكذا يروقه ثم يخلع علينا حلة النور لندخل الى النور.

الدينونة في اليوم الأخير واردة في صريح الأناجيل الاربعة وليس المجال لتجريدها من صورة الاله – القاضي. والله يقاضي شعبه ويصدر أحكاما يجب تنفيذها. هذا كله مرتبط بصورة الله الرهيب المعاقب والمثيب. والله يدين الانسانية بالنار كما يوضح اشعياء وذلك في ما يسمى يوم الرب. هذه هي صورة اليوم الآخر. غير ان امامنا صورة اخرى يتفرد بها انجيل يوحنا الذي يعلم ان الدينونة حاصلة اليوم. “هذه هي الدينونة ان النور قد جاء الى العالم وأحب الناس الظلمة على النور لان اعمالهم كانت شريرة” (يوحنا 19: 3). الدينونة حاصلة في القلب البشري خارجا عن المقولات القضائية. لقد دين العالم لانه قتل المسيح. العالم فضح نفسه بهذه الميتة. والمعنى الاخير للجريمة التي ارتكبتها البشرية على الجلجلة انها أصرت على ان تبيد ما كان الهيا فيها اي ان تقتل الحب. غير ان يسوع اعطى موته معنى انبعاث للبشر وتحقق المعنى بقيامته. وازاء نورها تندرج بالمسيح او ترفضه.

واذا كانت الدينونة، اساسا وفي عمقها، تجري في النفس البشرية وهنا، اذا كانت انكشاف النفس الحقيقي في حضرة الله وصدقه لا تكون جهنم سوى احتراق النفس بشهواتها. ما من نار الا فيك وما من سماء الا فيك. كذلك انت سماء للناس او جحيم لهم.

بسبب من اللدنية الالهية قال اسحق السرياني: “كل من كان في جهنم تجلده المحبة الالهية… اذ المحبة تعمل بطريقتين مختلفتين. انها اياها ألم في المغضوب عليهم وفرح في المغبوطين”. الله نفسه نور لبعض ونار لبعض وهو وحده المسكن اذا سكنت فيه واليه او انت المسكن اذا استقر هو فيك كما يقول يوحنا الحبيب.

غير ان إله الانجيل قال شيئا أعظم. “كنت جائعا فأطعمتموني”. هنا المسيح الذي يعتقد متى راوي هذا القول انه ابن الله جعل بينه وبين الفقير تماهيا وكذلك مع المريض والسجين ومن اليهما… عشراء يسوع صعاليك الارض. لكونهم اخوتهم نفوهم فباتوا في غربة صاروا أخوة يسوع. لقد حصرك المسيح حصرا محكما لما جعل اقترابك من المستضعفين منهم شرطا لاقترابك منه. ما يوجع يسوع ان المحتاجين غرباء.

ان قدرة الانسان على التكيف بأوضاع مزرية لمذهلة. قد يأكل قليلا جدا ويبيت في كوخ ويحتمل المرض لعجزه عن زيارة طبيب والدفع. ليس هذا هو الاكثر ايلاما ولكن ان يجعلك الميسور المستعلي تحس بدونيتك لانه يريدها ليثبت في شبق المال والسلطة هذا أشد وجعاً من العوز. في رقة بالغة يسمي الناصري هؤلاء: “اخوتي هؤلاء الصغار”.

ولكن في انجيل الدينونة يقول ما هو أبلغ. يقول: انهم هم اياه. “كنت جائعا”. لم يقل في موضع آخر عن شيء انه هو هذا الشيء. قال ما كان قريبا منه. قال: “الكلام الذي أكلمكم به هو نور وحياة”. لكنه لم “يقل: هذا الكلام هو انا بصورة اخرى” ولو عناها. وعن القربان قال: “هذا هو جسدي” ولم يقل هو انا ولو عناها. هنا يقول: هذا الفقير هو انا.

يبقى سؤال شرعي في فكر القرن التاسع عشر: ما نفع الاهتمام بالفقراء. المهم الغاء الفقر. هنا لا أناقش وسيلة الالغاء، الثورة مثلا او مكان الالغاء، الاقتصاد السياسي. والتنطح لذلك يبقى هاجسا نبيلا جدا ان أمكن. انا همي ان أحب الآن بوسائلي وفي محيطي لان الفقير محبوبي اهم مما انا أعطيه وانا أهم عنده من عطائي.

غير ان ما يعطى قليل لأن الحب قليل. وعندما لا أعطى انا المحتاج شيئا فأنا غير محبوب. انت لا تحسن الى الفقير. هو يحسن اليك ان أخذ. انت تخدمه على انه سيدك. من أبسط الاشياء الا تعرف يسارك ما فعلت يمينك لأنك تكون لم تحس ان المعوز تصدق عليك بأنه أعطاك فرصة حب. ولقد أحس بذلك يوحنا الذهبي الفم لما سمى العطاء للفقير “مذبح الأخ” معليا اياه على مذبح الكنيسة ولم يقدم تفسيرا على تفضيله هذا لكن الفكر الانجيلي يعلمنا ان العطاء الحق محك الصدق في علاقتك بالله. واجترىء على القول ان من أحب الاخوة حبا كبيرا لا يدان وذلك أسوة بالشهداء وهم عند معلمينا لا يدانون لأنهم أدركوا المحبة الكاملة.

كم يؤلمني ان أرى البخل عميما وذلك في ايام البحبوحة كما في أيام القحط. كم يصدمني أن ألاحظ ان الدين عند الكثيرين كلام وعند بعضهم ان “الكلمة صار جسدا” وفي سياقنا صار عطاء لنصبح جميعا المسيح بعضنا الى بعض وهكذا اذا أمسكنا عن طعام نفهم انه رياضة نثب بها الى اولئك الذين كتب علينا ان نجعلهم علينا ملوكا.