لقد تسربل المسيح المتواضع في بشريته ليقول للناس انهم قادرون عليه في بشريتهم، وان كل ما حققه في جسده انما كان هدفه ان يرتسم في اجسادنا واذا رآها الله هكذا لا تبلى. أعرف كل الجمالات الروحية في القديسين وكل جمال ساحر ولكن لا اعرف ميزة تجذبني مثل هذه ان رأيت انسانا عليها اذ تدلنا على ان وجه هذا الانسان الى الله وحده. هذا الانسان لم يبق له وقت او قدرة لينظر الى بهاء فيه ولو حاول لا يرى لأن عينيه الى الرب في كل حين. يشاهد عند الآخرين تواضعا ليقينه انهم جميعا افضل منه وان أنوار وجه الرب ترتسم على وجوههم التي لا يقرأ عليها مكتوبا الا الله.
قد يلبس المتواضع الموهوب في نفسه قدرات ولكنه لا ينسبها الى نفسه اذ يعيد كل ما يراه فيه وفي الكون جميلا الى الاله الجميل لينطلق في الشكر والتسبيح. انت ترى هذا الانسان منسحقا ولكن عندما يلامس الارض فهو في حالة اختطاف والجميل انه لا يعرف ذلك اذ لا يعرف انه متواضع.
ليس قصدي الآن ان اتحدث مليا في جزئيات سيرة المعلم لاكشف تواضعه. حسبي اليوم الذي نحن فيه ان يدخل اورشليم اي مدينة السلام وهو ملكها راكبا جحشا في رواية مرقس ولوقا ويوحنا والجحش صغير الحمار. لا يركب الخيل الذي يركبه الملوك اذ لا تُعلن ملوكيته إلا على الصليب. وتأكيدا لانسحاقه يقول عنه الكتاب انه في هذه المسيرة كان وديعا. انا افهم بصعوبة الفرق بين الوداعة والتواضع. في الحقيقة لا يمكن ان تكون خاليا من كل نتوء الا اذا تحررت كليا من العدوانية بادراكك التواضع إذ النتوئية تعني انك لا تزال معتقدا نفسك شيئا.
لست أعلم لماذا في العيش الطقوسي نبرز استقبال الاطفال له مع ان هذه الحصرية ليست في الكتاب ولكن الانشاد يبرزها وكأن الانجيل اراد ان تواضع الطفل ووداعته هما اللذان يستقبلان تواضع المسيح ووداعته. اما اليوم وبعد مضي الفي عام على الحدث فلا دعوة منك له الى قلبك الا اذا انكسر. لست في مجال المقارنة بين يسوع وقواد العالم. ولكنه حقق هذا النوع من القوة انه جمع ثلاث ميزات غير متوافرة معا بصورة مألوفة عند الناس: الوداعة الى التواضع، مواجهة السلطات الدينية على اشرس ما تكون عليه المواجهة، كون الرجل فقيرا حتى البؤس واعزل. وقمة القوة انه يدخل المدينة ليموت وهو كان عارفا بالمكيدة منذ بدء رسالته ويجبهها بلا تراجع ولا استرخاء.
# #
#
هل يذهب عاقل الى موته طوعا؟ العهد الجديد يؤكد انه تطوع للموت وانه لم يخش المواجهة مع السلطة الدينية ومع روما. المواجهة كانت كبيرة حتى لم يحلم احبار اليهود ان الرجل قابل التراجع. لذلك لم يكن بد من الا يموت.
كان واضحا عند يسوع انه يحمل قضية الله ضد سلاطين العالم. ما كان ممكنا ان تنحل عقدة اليهود الا اذا امحى هذا الانسان من الوجود.
كان عليه على طريق الموت ان يكمل مشوار التواضع: الضرب واللطم واحتمال البصاق عليه والهزء والمحاكمة امام الوالي. وقمة التواضع في هذا هو هذه المحاكمة. يقول الحاكم: «ألست تعلم ان لي سلطانا ان اصلبك وسلطانا ان اطلقك؟» ويجيب السيد: «لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق». يعترف المخلص هنا بسلطان الحاكم الظالم. هذا لم يكن اعترافا بالسلطة الرومانية. قراءتي لجواب يسوع ان الاب الذي يريدني ان اموت من اجل حياة العالم خولك ايها القاضي الظالم ان تقتلني. انت اداة سيئة جدا ليضم الله الى حنان ابوته الانسان المارق. حسن انك هنا يا بيلاطس حتى يكتمل البر. اذلني قومي وتذلني روما. وتمحقني الديانة والسياسة معا لاكون لا شيء حتى يتم قول اشعياء: «وكنعجة امام جازيها هكذا لم يفتح فاه». يجب ان ادفن في الصمت قبل ان ادفن في الارض ليتحقق سلطان الظلام.
وبعدما أكملت القرية الظالمة عتوها قلت: «يا ابتاه في يديك استودع روحي» لتشير الى انك اقتبلت الانسحاق حتى المنتهى لشعورك انك انت بت كاملا في يدي الاب بعد امحاء جسدك في الموت وقد تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر بمظهر الانسان فوضع نفسه واطاع حتى الموت، موت الصليب».
# #
#
ولعل من اهم مظاهر تواضعه انه لما ظهر لتلاميذه عند الفصح مساء اراهم يديه وجنبه المطعون ليقول شيئين اولهما ان هذا الذي تراءى لهم انما هو اياه الذي رفع على الخشبة وثانيهما وهو المضمون في الاول انه في المجد يحمل آثار الانسحاق. وتاليا ان الاتضاع من شيمه الاصلية والتي ليست فقط صفة من ناسوته. لماذا تطغى علينا صورة الاله الجبار والقدير الذي يزلزل الجبال ويجعلها تدخن؟ لماذا يبدو لنا عزيزا قابضا على السماوات والارض؟ ما اوحى الينا انه لم يقبض على العالمين الا بهاتين الذراعين الداميتين المبسوطتين على الصليب. ما بانت قدرته للرائين الفاهمين عظيمة الا بعدما تلاشت قوته الجسدية كامل التلاشي على الخشبة.
الواضح اننا لم نستطع ان ندرك تواضعه الا لكونه اتخذ جسدا. ففي هذا الجسد تجلى ابن الله الوحيد وبلا هذا الجسد يقول الله لنا كلاما. ان انكشاف التواضع في جسد المسيح ما كان الا لكشف الله نفسه متواضعا. فقبل بدايات الخلق اي في الظهور الابدي للآب والابن والروح القدس كان الآب مفرغا ذاته في الابن والابن في الآب لانك ان احببت تموت شهيدا ولا يعني هذا الكلام شيئا لمن لم يذق ان الآب دائم الانسكاب في الابن والابن دائم الانسكاب في الآب أي ان كلا منهما يزيل نفسه في الآخر وبذلك ينوجد ويدوم انوجاده. الاله يفنى ليبقى. الآب يثبت نفسه لانه يقول للابن انا فيك والابن يثبت نفسه لانه يفني نفسه ابديا في الآب.
هذا ليس كلاما في قالب فلسفة كينونية. ليس عند الله كلام في كينونة طبيعته. هذا كلام في الحب ولا كلام ثابتا الا فيه. واذا قلنا هنا ان المسيح تواضع امام الناس في البشرة فلنقول ان الله غير المنظور يتواضع امام الناس لانك انت لا تستطيع ان تحب الها ضخما، قهارا، يزلزل الاكوان. انا أعبد إلها ذا قلب اي يمحق قلبه لأحيا بحبه.
عندما يقول الله في العهد القديم: «سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا»، لم يكن يستخدم فلسفة الكيان بل فلسفة الحركة. ولما سأله موسى: ما اسمك اي ما طبيعتك لم يجب بما كان يتوقعه موسى اذ قال الله: «سأكون ما سأكون» اي سأكون معكم وتعرفونني بحركتي اذ لا يستطيع احد ان يرى وجه الله اي طبيعته ويحيا. لذلك ليس هو موجودا على صورة الانسان او الصخرة او الشجرة. انه كان وكائن وسيكون بكونه كاشفا نفسه بوحدانية الحب الذي فيه ومتغنيا بالبشرية العروس اي رافعا اياها على نفسه لانه اذا رحضها بالماء والروح بانسكاب ألوهيته عليها يراها جميلة به، دائمة بجماله المسكوب تحيا معه في فصح أبدي.
