من طلب البهاء الروحي لكل الناس يصاب بصدمات من معظم الناس. يطلب ذلك اذ يريد ان يصبح كل انسان حوله صديق الله لايمانه بأن النور الالهي يجب ان ينزل على كل أبن امرأة ليتمجد الله به عسى نذوق معًا هذا المجد العلوي الذي يجعل الله ساكنًا السماء والارض معًا. غير ان القوم لا يريدون اقتحام السماء للارض او اشرئباب الارض الى السماء لئلا تختل ترتيبات صنعت لأهل الارض لتعزلهم عن ذائقي حلاوة الرب.

القناعة السائدة أن الله لا يبلغ اليه أو يعسر جدًا عليك ان ترتقي اليه ولكنك لا تعرف انك من الناكرين ولا تريد ان تعرف لئلا يتشوه وجهك في عينيك والاهم ألا يراه الآخرون مشوهًا اذ يهمك ان تنوجد في اعينهم وان تكون على صلة بهم هربًا من الوحشة. واذا عرفت نفسك على شيء من القباحة فتستتر. غير انك لن تستتر طويلاً اذ ليس زملاؤك اغبياء لتغشهم. لذلك قد تحتاج الى النفاق محافظة منك على قراءة من اصحابك لك حسنة فأنت لا تريد ان يذهبوا وقد تظن نفسك حسنًا عند الرب وحسنًا عند الناس لانك تتكل على سذاجة اصحابك وحسن قراءتهم لك لتبقى لهم عشيرًا.

وقد لا يكون صاحبك ساذجًا وقد يكون له ما نسميه في لغة آبائنا روح التمييز فيصل الى اعماقك وتنكشف امامه في عرائك. لكن هذا الانكشاف قد لا يحصل سريعًا اذا كنت لا تعرف ان تنفذ الى قلب الغير لانك من البسطاء او البلوريين الذين يحتاجون الى خبرة طويلة ليعرفوا الآخر اذ الآخر محجوب بلطفهم واللطيف بالآخرين يحجبهم احيانًا لأنه يأمل ان يعلو أو هو لا يريد ان يسمرهم على سوئهم خوفًا من ان يغرقهم. وقد دعانا الآباء ألا نتحجر على رؤية الإثم فينا وفي الآخرين وان نستر عيوب الناس عملاً بقول الرب: «طوبى لمن غفرت ذنوبهم وسترت خطاياهم. طوبى لمن لم يحسب الله عليه خطيئة». فنأخذ هذا بدورنا ولا نقيم على احد خطيئة ونغفر للآخر عساه يفهم ويرجع. هل الطيبون على عيونهم دائمًا غشاوة؟ هل انهم، في النهاية، غير فهماء؟

الا ان الانسان في افتضاح. لا يمكنه ان يختبئ الى الابد في عينيه او في اعين الناس. والسذاجة نفسها قد لا تدوم. والبلورية الحلوة قد لا تدين ولكنها تبصر اذا فحصت لتعرف او لم تفحص بشدة. ويل للمبصرين اذا ابصروا اذ ينكشف الناس امامهم في عوراتهم واذا كانت العلاقات قائمة على ما كنت اظنه نورا في الآخر وبان لي ان ما سميته في الآخر نورا كان ظلاما ينقطع الخيط الذهبي الذي كان يربطني به وتزول التعزية بما كنت احسبه صداقة.

هذه هي الخيبة الآتية من الفضح واذا بالاصدقاء يموتون في نفسك الواحد تلو الآخر. مشكلة من مشاكل الحياة انك تكتشف الآخرين على مراحل ان كنت طيبا شفافا او غير ميال الى التفحص والتعرية. لكن المعصية تعظم احيانا كالسرطان فترجو ان تبقى في النفس زوايا او ثنايا لا يصيبها المرض حتى تبقى متعزيا. واذا فحصت كثيرا ترى احيانا ان النفس تآكلت وانك لا تقدر على ان تعول على حسنة او انك امتعضت كثيرا وجُرحت كثيرا فبطلت رؤيتك لشيء من الحسن فتنزوي ويكون الشر في الآخر او فيك قد طواك في الحزن.

ليس كل من تحب يحدث فيك خيبة. هناك الاصحاء الذين لا يسقطون وتعرف جاذبيتهم وان اتكالك عليهم يحييك وانهم لا يموتون ابدا قبل ان يقبضهم الله. ما عدا هذه القلة العزيزة، معظم الناس اموات. طوبى لك اذا لم تمت ان هم ماتوا. كل فترة تتكدس في نفسك الخيبات وترى نفسك في صحراء الحب كما يقول مورياك. ولكن قد يُحكم عليك ان تعيش في الصحراء وان يتهاوى الناس امامك. وان كنت تعرف ان البهاء الروحي الله مصدره يزداد حزنك اذ يغدو الله لك غير معروف او معروفا قليلا. كنت تحج الى هذه الوجوه. واذا اقبل الزمان فلا يفيد شيئا لان الخيبات تتكاثر ويكون الكثير قد تأذى ولكن عند موتك يجيئون ربما لانهم لم يدركوا انهم جرحوك وربما ليكفروا عن خطاياهم عند جثمانك فيرتقوا قليلا بعد رحيلك.

ليس من مجتمع مهما صغر تتوهج فيه المحبة على الدوام. تتهشم عند هذا وعند ذاك. لذلك قال ارسطو لاصحابه: «يا اصدقائي ليس من صديق». انا لا اردد هذا القول ولكني اقول مع اصحاب المزامير: «لا تتكلموا على الرؤساء ولا على بني البشر لان ليس عندهم خلاص». هم يسقطون وانت تسقط وانت اول خياب لنفسك ولا تعلم لحظة اذا كنت مؤهلا لان تمثل في حضرة الله. انت تذهب اليه على الرجاء. واذا ذهب الاحبة ونأوا تسلمهم الى الله لئلا يظلوا وتظل انت بلا رجاء. ليست المصيبة ان يتركك اصدقاؤك او الا تقدر ان تدنو منهم الا قياما بالواجب. ان تركنا للعلاقة العاطفية ليس كارثة. فقد يبقى التعامل في الحياة اليومية قائما على تهذيب اذ لا نستطيع ان ننقطع عن كل الناس. انت تتحرك على رغم كل الصدمات وضمنها. وهذا محسوب عليك او انت محسوب عليه ولا بد ان تمشي فبركة الجامعات او فبركة الدولة او فبركة الجماعة الدينية على طريقة التراكم، بروح او بلا روح.

امام هذا قد يجعلونك وحيدا او شبه وحيد وبسبب من خيباتهم لك او خيباتك لنفسك ترى نفسك وحدك. يبقى الله، اذذاك، في رجائك. فأنت «مخلّص على الرجاء» بما لك من اله فيك الآن وبما يكون لك من اله فوق. انت والله مجتمع صغير جدا ولكنه يكفي ولا تستطيع ان تعتزل لان معظمهم قد يبقى هكذا وانت تتعامل على صعيد المنظور والناس قد يرون تهذيبك محبة. هذه دنياك ولا ينفع الحزن وتمشي في الصحراء ولا بد من واحة ولو بعد تعب شديد.