في عظة الجبل ينقلنا السيد من الخطيئة المحسوسة إلى الأصل الذي تنبع منه، إلى ما نسمّيه الهوى أي الانفعال الداخلي، فيقول مثلا: «سمعتم انه قيل للأولين: لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: مَن غضبَ على أخيه استوجبَ حُكْمَ القضاء» (متى 5: 21 و22). يسوع يهمّه القلب، ان ينقيه من الأسباب التي تدنسه. ومما يدنس الإنسان الحقد وهو الاستمرار في الضغينة وتربص الظروف التي تحييها.

الحقد هو الانكماش دون الآخر والتقوقع في النفس الذي يلغي الآخر ذهنيا لكوننا لا نجرؤ ان نبيده جسديا. هو قتل معنوي للآخر الذي تحس انه يضايقك أو يمس بمصالحك وكبريائك. لا نطيقه مختلفا عنا أو مخاصما، وكأن وجوده إلغاء لوجودنا، فلا نعتبر ان له حرية في ان يكون كما يريد ان يكون.

الحقد هوى في النفس يقع فيه ناس من كل المستويات، ناس يحسبون انهم روحانيون وهم في واقعهم غير روحانيين. نوع من التحجر يصيب أعظم الناس. هذا التصلب يدمر كل من يقع فيه لأن الإنسان الذي يغلق نفسه دون إنسان آخر ويقصيه إنما يهدد قلبه ويجففه.

وأدرك خطر هذا الشعور الناسك الكبير القديس يوحنا السلَّمي الذي قال: «الحقد ثمرة الغضب ومرارة محبوبة». والإنسان المتمرمر لا يسعه ان يكون مبدعا، معطاء وخادما بلطفه. الغضوب الجامح يُفني نفسه ويُفني الآخر فلا يحسب لغيره حسابا ولا يقيم له مقاما. خطر الحقد انه يتشرش ويحتاج إلى نعمة من السماء تنزل على القلب كالندى ليطرى.

فإذا تكلم الكتاب عن الله يقول في المزامير انه «طويل الأناة وكثيرة الرحمة. ليس إلى الانقضاء يسخط ولا إلى الدهر يحقد». الرب يؤدب ولا يكره ابنا من أبنائه، أما الذي يغضب كثيرا ويحقد كثيرا فإنه كالمجنون ويحتاج إلى قوة سماوية كبيرة ليتعافى.

أجل في الناس غباوة وسوء نية تجاهنا، وعند بعضهم رفض لنا وقهر. وفي كثرة الأحيان لا يعرفون لماذا يبغضون. ولذلك يقول الكتاب: «بغضَ ظلمٍ أَبغَضوني». لا يروقهم وجهك أو كلامك أو مظهرك أو كلمة قلتها وأوّلوها تأويلا خاطئا وجرحتهم، ولا يعللون لماذا جرحتهم فحزنوا وحوّلوا حزنهم إلى بغض. وكلما صدرت عنك حركة مقتوك وأضافوها إلى ما قلته سابقا وبنوا عليها قصورا وعلالي، وقد تكون أنت طيب القلب ولا تقصد شرا يحل بهم ولا تبتغي ان تجرحهم فيميتوا أنفسهم وليس عليك في ذلك مسؤولية. هم يظلمونك وتتساءل إذا كان عليك ان تختفي من دربهم لئلا يسيئوا إلى أنفسهم في البغض، ولكن إلى أين تذهب إذا كانوا من أهل بيتك أو معارفك أو كانوا زملاء لك؟ هل تسكت كل الوقت لتريحهم، وانى لك، إذ ذاك، ان تؤدي شهادة الحق؟

وتتساءل لماذا لا يحق لكم ان تختلفوا وتبقوا أصدقاء؟ أليس جمال الدنيا بالتنوع؟ وماذا يضيرهم ان تكون موهوبا أكثر منهم، والمواهب الله معطيها وتعود إلى مجده. وليتمجد الله بمن شاء. فهذا له أكثر، وهذا له أقل. وقد تكون أنت قد جاهدت وتعبت كثيرا لتطهر نفسك وتعرف وتفهم، ويكونون قد ظلوا على كسلهم ويريدون ان تكون أنت على الفقر العقلي الذي هم عليه.

فإذا وجدتهم حاسدين، والحسد والحقد توأمان، فصلّ من اجلهم ليزيل الرب عنهم خطيئتهم هذه ويقوموا بالجهد الذي قمت أنت به. اذكر هؤلاء الضعاف في دعائك كل يوم حتى لا تتمرمر أنت، علهم يذوقون طعم المحبة، علهم يفرحون كما تعرف أنت ان تفرح.

لعل الأعجوبة تحدث وينزل عليهم الندى.