هناك لياقة في الملبس للرجال والنساء على السواء أفي الكنيسة كان ذلك أم خارجها. غير ان لقاء الجماعة المقدسة الذي غايته تناول الأسرار المقدسة يتطلب احتشاما أدق بسبب من الغاية التي نحن من اجلها مجتمعون. والكنيسة  تتجلى فيها حضرة الله بكلمته والقرابين والروح القدس الذي يحل على المؤمنين أثناء الخدمة الإلهية. نحن نبني بعضنا بعضا ويذهب كل واحد بالآخر إلى المسيح، فهو محط الأنظار والقلوب فلا يلتهي احد منا بالآخر، ولا يعرقل احد صلاة الآخر، ويساعده على الحفاظ على عفّة بصره. كل منا يحجب نفسه -ما أمكن ذلك- دون عيون الإخوة لكي يكون منظورا من الله.

اجل كلنا في نطاق الاحتشام. غير ان هذا -حسب الطبيعة البشرية- يليق بالمرأة بالمقام الأول. فإذا كان انجذابنا إلى المسيح فمعنى ذلك ان أحدا منا لا يسعى إلى جذب المؤمنين إليه الا بتقوى حركاته وصمته وخشوعه. في هذا الخشوع يضيع الجسد. ومن هنا ان التبرج، وهو المبالغة في التجميل، شيء ممقوت لكونه يحوّلنا عن الجمال الوحيد المبتغى أعني جمال يسوع. من هذا الثياب الكثيرة الثمن والباذخة المعروضة للتباهي وهي تجرح الفقراء بيننا. مِثْلُ هذا ضجة الأحذية عند الدخول، والعطور التي لا مكان لها في اجتماع كنا فيه لنصبح روحيا «رائحة المسيح الزكية».

ومع التزامنا جميعا بعفة النظر، ركزت البشرية، تاريخيا، على ان الحشمة متتطلبة من المرأة بنوع خاص. والمرأة تعرف مفاتنها. ولذلك لن أتكلم عما هو غير لائق عرضه في الكنيسة. المرأة أفصح مني في هذا المجال. وإذا أرادت هي ان تتكلم جديا فلا الصيف عذر ولا الشتاء. فما يريده الله منها طريقة احتجاب. وقد تكلم بولس الرسول عن هذا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس. فقد قال: «هل يليق بالمرأة ان تصلّي إلى الله وهي غير مغطاة» (11: 13). وقد أطاعت نساؤنا الرسول قرونًا بصورة حرفية. ولكن ان تجاوزنا الحرف إلى القصد، فيبقى من كلام الرسول الفكرة العامة وهي رفض التعرية المفضوحة أو التضييق المؤذي. والمرأة عليمة بما يؤذي.

نحن نعيش في زمن الخطيئة ولم نصل بعد إلى الملكوت. وفي الملكوت ليس من جسد ترابي. هناك أجساد روحانية، ممجدة، قامات نور.

فما دمنا في اللحم والدم نغضّ الطرْف ولا تستبيح عيوننا جسد الآخر ولا هو يعرض جسده لمتعة العيون النهمة.

كل ما خالف ذلك مماحكة. ولا أظن المرأة الصادقة -إذا نُبّهت- تدّعي انها لا تعرف هذا. ولا أَحسب المؤمنة تستغل الاجتماع الكنسي لتغري. الكنيسة ليست موضع إغراء. وفي أزمنة ليست بعيدة عنا كان الرجال يقفون في مكان والنساء في مكان. وكانت الكنائس فيها جناح للنساء. كانت الإمبراطورة مع وصيفاتها في آجيا صوفيا في القسطنطينية واقفة فوق وليس إلى جانب الإمبراطور. يبدو ان العقل الحديث لا يقبل بهذا الانفصال. ولكني أرى ان المنحى الكنسي كان هذا. وبولس يتكلم في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس عن اعتزال الرجل للمرأة إذا شاء التفرغ «للصوم والصلاة». العلاقة في الكنيسة المصلية ليست بين الرجل والمرأة ولا بين رجل ورجل أو بين امرأة وامرأة. هي علاقة كل نفس بالمسيح. الاختلاط ليس الوحدة. قمة الاختلاط المضرّ ان يتلهّى الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل لأنهما إذا فعلا لا يكون أحدهما مسمّرًا على المسيح.