أنا لا أزال تحت صدمة مجالس الرعية وصدمة المجالس البلدية. انكشف فيها جميعا غياب المسيح عن النفوس وان انساننا عبد لشهوة البغض أو لشهوة السلطة. كنت أتعجب دائما من اشتهاء المجد في بلد صغير كهذا. زاد تعجبي لما رأيت المنافسة لرئاسة مجلس قرية لا تزيد عن ألف شخص أو أقل. أي مجد هذا؟ ولكن يبدو ان «الديك على مزبلته يصيح» وان شدة الخطيئة لا علاقة لها بالأحجام. الشهوة شهوة الزعامة أكنت رئيسا لمليار نسمة كما في الصين أم رئيسًا مؤقتًا لقرية مؤلفة من 500 نسمة.
ما جرى هنا وهناك في انتخابات البلدية موجات من الكذب والنميمة والكلام البطال في ناس كنت تحسبهم مثال الرقي كأنه انفلتت منهم شياطين مكبلة فيهم وذلك فقط ليكسبوا معركة باطلة في جوهرها وفي حجمها الا إذا كان وراء ذلك ارادة في استغلال المؤسسات. والكذب والنميمة وسيلتان من وسائل الكيد. لم اشاهد براعة الذكاء الشيطاني مثلما شاهدته في هذه الانتخابات البلدية. الغاية كانت النجاح بأية وسيلة ولو ديس صيت الخصم.
ان يتصالح القوم أمر اجتماعي ولكنه ليس خلاصا للنفوس. ليس المهم عندنا ان نغض النظر عن سيئات الغير لمصالحة شكلية تبتغي السلم الاجتماعي. المهم ان تصالح الله أي ان تعترف أمامه بالانحراف الذي مرت به نفسك وان تتبين ما دفعك إلى هذا العمل السيء. هل هي شهوة الربح أم شهوة التسلط أم كلتاهما؟
البعض من الذين استعملوا هذه الأساليب الملتوية يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد أي يسمعون: «لنحب بعضنا بعضنا كيما بعزم متفق الخ…». ربما ظنوا انهم محبون ولكن بين جدران الكنيسة، أو يسمعون: «السلام لجميعكم» أي سلام الله إلى قلوبكم بما فيه محبة الإخوة. «نفسي حزينة حتى الموت» لأن رعيتي انقسمت في أماكن مختلفة، وإذا ظل الناس يتوافدون إلى الكنيسة فمعنى ذلك انهم أجساد متراكمة وان المعاني الروحية التي يتلقونها في العبادة لا تخرج فيهم من الكنيسة إلى العالم. يتعلمون الصدق والرحمة من العبادات ولا ينفذون هذه الفضائل في المجتمع. نحن إذًا في تناقض ممزق، مميت.
ولا يكفي ان يقرر الإنسان في ذاته ان يبتعد عن الشر. التصميم الإرادي لا يحوّلك إلى الله. محبتك للرب هي التي تحولك إلى وجهه. ان تعيش في رفقته يجعلك إنسانا جديدا تظهر جدته في الخدمة الإلهية وفي سلوكه في الدنيا.
محبتك لله تنزل عليك من الله نعمة مجانية. والله يكلمك بالكتاب المقدس بعامة وبالعهد الجديد بخاصة. ولذلك ان شئت لنفسك دورا في إدارة القرية، في مجلس بلديتها أو دورا في النيابة أو عملا مهنيا فلا بد ان تسمع إلى كلمة الله لتغير نفسك وتجعلك شفافا لهذه الكلمة.
«الكلام الذي كلمتكم به هو نور وحياة». نور يبدد الظلمات التي هي الكذب والنميمة والحقد.
تلك هي الحياة الجديدة التي تحررك من عصبية العائلة ومن الحزبية الضيقة وتجعلك ساعيا إلى الحقيقة لا تابعا لهذا الزعيم أو ذاك. أنت تابع المسيح حصرا وهو الذي يلهمك مع علمك ما يجب القيام به في حقل التنمية للقرية وتحسينها والنهوض بها مع كل الخيرين أكانوا من عشيرتك أم لم يكونوا. وسر ارتقائك هو أبدا المحبة التي تلقى بها اناسا أو مجموعة ناس ليسوا انسباءك بالضرورة. أنت تلتصق بالحقيقة فإن «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله».
أنت نسيب الصالحين والمجاهدين. أنت لهم ومعهم إذا فهمت انك من عائلة الآب وانكم جميعا اخوة. اذكر دائما قول السيد لتلاميذه: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم». انه أحبنا حتى الموت مع كوننا كنا فجارا. انه أحيانا بقيامته، هذه التي تحيي نفوسنا وتجعلنا قرابين له وتاليا يغتذي منا كل الناس. بالمحبة تذيب بغضك وبغض الآخر لك. وعند ذاك قد ترى ان الآخر أفضل منك للخدمة. لا تكن عبدا لأي تجمُّع. اسعَ إلى تجمُّع يكون الروح القدس روحه، تجمُّع قائم على الفهم ومندفع في العطاء. فليس المهم ان تصل إلى منصب ولكن المهم ان يتم العمل الصالح في القرية والوطن. إذا تحليت بالفهم الروحي وبالإخلاص تتصرف بما يرضي المسيح.
