أحببتُ هذه السنة أن أُحْيي العيد في الجبل المهجَّر، في بخشتيه من قضاء عاليه في صلاة الغروب وفي محطة بحمدون لكون كنيستيهما مخصصتين لتجلي الرب وقد قامت كل منهما مع مجمَّع مكمّل للعمل الرعائي بعد جهود المؤمنين وسخائهم وإصرارهم على انهم يحبّون المخلّص في تجلّيه على الجبل، وكأن صلاتنا في هاتين الرعيتين دعوة إلى تبلور النفس في ضوء يسوع. على المنقلب الآخر من الجبل تنتصب كنيسة التجلي في ضهور الشوير وقد ازدادت رونقا رمزا لإرادة أهاليها في أن يجملوا في المسيح.

          ثلاث كنائس في هذه الأبرشية سُمّيت باسم المخلّص للدلالة على ان آباءنا طلبوا المسيح وحده في دنياهم وما طلبوا مجد العالم. وكنا في الأحد السابق نكرّس كنيسة القديس جاورجيوس في بحمدون الضيعة بعد ان جدد لهب البحمدونيين تقواهم وشادوا في حماسة كبيرة معبد الشهيد العظيم. وكنا قبلا أقمنا عيد النبي الياس في منصورية بحمدون العظيمة الغيرة وتعددت فيها مجالات حياة رعائية مكتملة (قاعة كبيرة، بيت للكاهن، ساحة كبيرة). وسوف تتعاقب الاحتفالات في بسرّين وبطلّون في هذا الصيف اذا الله رعانا بعد أن قطعنا شوطا كبيرا في البناء في الرجمة وعين الجديدة، فيكتمل خط العبادة عندنا انطلاقا من مدينة عاليه التي صارت كنيستها جذابة النسق وحولها مسكن الكاهن والقاعة الكبرى. فيعود الجبل هكذا وعدًا بمستقبل روحي نرجوه خصبا في الشهادة والمعرفة.

          المؤمنون عندنا أبدوا بحماستهم وشجاعتهم أن همّهم هو الكلمة الإلهية مقولةً بفرح العبادة. وفي إسراعهم إلى بناء هياكلهم قالوا ان الشيء المهم هو الثالوث الالهي ساكنًا فيهم. وبات ملحوظا انهم يحسّون بأنفسهم واحدا مع الأبرشية وفي قلب الله. ويدرك المراقب ان الإقبال على الرب ولا سيما اذا اقترن بالعلم الروحي ينشئ في النفس توبة، وهي الكفيلة بأن تُضعف حدّة الخطايا، لأن ثمر هذا النشاط توحيد القلوب الذي نقلَنا من عائلات متفرقة إلى ان نكون عائلة الآب.

          لقد تجلّى السيد ليتجلّى أحباؤه، لكي يبصروه مضيئا كالشمس مثلما أبصره بطرس ويعقوب ويوحنا هؤلاء الأعمدة. لقد استضاء يسوع امام أعين تلاميذه بالنور الإلهي الذي فيه فعاينوا مجده بمعنى انهم هم أيضا تحوّلوا إلى النور. رأوه «بقدرِ ما استطاعوا» كما تقول الأنشودة لتدل ان كُلاّ منّا -على حسب استعداده- يرى المخلّص. المهم ان نتحرك اليه. واذا صارت ثيابه بيضاء كالثلج فلكي تصير كل أعمالنا نحن أيضا بيضاء. فكما من داخل يسوع بدا النور عليه وعلى ما كان يرتديه، هكذا يكون هنا النور عينه في كلمتنا وصلاتنا وعائلتنا وسلوكنا. وكما استمدّ ايليا وموسى من نور المسيح لأنهما كانا معه، يستمدّ كل مَن كان حولنا النقاوة التي تكون فينا. التجلّي حصل مرة ليستمر إلى الأبد في أحباء يسوع. الانتقال الدائم إلى المسيح هذه هي غاية الحياة.

          من اللافت في حادثة التجلّي ان النبيين كانا يتكلمان مع يسوع عن آلامه كما يروي لوقا. المعنى العميق لهذا الكلام ان مجد المسيح على ثابور كان عابرا وان مجده الكامل في الجسد كان على الصليب. تمجيد كل منا، ارتقاؤه الروحي لا يكون الا اذا أنكر نفسه وحمل صليبه وسار وراء المعلّم.

          لا نعرف كيف ستكون حياتنا في لبنان في السنوات الآتية. منذ الآن هي صعبة بعد ان صار بلدنا فقيرا جدا. لا يعلم احد متى سننجو من الضائقة. لا يعلم أحد اذا كان هذا الشرق صائرا إلى سلام حقيقي. هذا ما نصلّي من اجله. الانسان في ضيق اليوم أو غدا. كل منا تعتريه أوجاع في جسده أو في نفسه، في بيته، مع الناس.

          إزاء هذا يعرف المؤمن أنه يتغلب على الصعاب، أنه سيسلم بالمسيح المتجلّي فيه. يعرف ان الصعاب طريقنا إلى المجد. هذا ما تقوله اليوم كنائس الجبل لمحبّي يسوع.