الإثنين الماضي صباحًا كانت سيارة متجهة من طرابلس الى محلة البحصاص فيها رجل وامرأته وثلاثة أطفال أكبرهم عمره ست سنوات قاصدين مدرسة الأولاد في الكورة. ولي مع هؤلاء نسب حميمي. كانت المتفجّرة قد تفجّرت ورأى هؤلاء أنفسهم أمام الدخان المتصاعد منها. اي انهم لو وصلوا الى المكان دقيقتين او ثلاثا قبل الانفجار لماتت العائلة كلها.

          لا تعرف من أين يأتيك الموت في لبنان ولا تعرف من قتلك. نحن بتنا جزءًا من لعبة تحتاج الى مجرم والى قتيل والى خبر في الصحف. كل منا يذهب الى موضع عمله ولا يعلم ان كان يعود. القدر الأعمى كتب علينا هذا. من يستطيع ان يتذاكى على القدر او يتفلّت من قبضته؟ هل في هذا البلد سحر يجعلك تلازمه ولا تخشى الخطر؟

          كان تحت بيتي الى جانب الطريق مربض للجيش في الحرب تطلق مدافعه قذائفها على الجبل المعادي والجبل يطلق علينا حممه. واللعبة تجري أمامي ونافذتي المطلّة على المربض عرضها أربعة أمتار ونيّف. وانا اكتب اثناء رقصة القذائف مقالاتي للنهار او ما ينفع المؤمنين وذلك بلا خوف إطلاقا. تربينا خلال سنين طولى على الاستسلام. هكذا عشنا بلا فكر، بلا رجاء استثنائي كما النهر يجري في واديه تدفعه الطبيعة الى حيث يجب ان يصبّ. اذا ذكرت اللافكر الذي ذقته أشعر انه غمرني غمرا لا يوصف. مرة دعاني الرئيس أمين الجميّل الى القصر فناديت سائقي ان يغادر بيته ليلتحق بي في الجبل. فلما وصل الى مقري أخبرته اني أريد منه ان يسوق بي الى الرئيس. قال الإذاعة تبث ان الطريق من هنا الى بعبدا تتساقط عليها القذائف. قلت له اذا طلبني الرئيس فلكي يبلغني شيئا او نتذاكر بأمر. سلّمت نفسي الى الله وسرنا. وحده ربّك في لبنان يحفظك وليس للدولة دور في بقائك حيا. انت تنال وجودك نعمة.

          انا لست أعرف من فجّر المتفجّرة في البحصاص ولكن ليس مقبولا ان تقلب السلطات كل الاحتمالات ونجعل هذا حديث صالونات لأن الموت بات مألوفًا. سألني أحد الأصدقاء اليوم لماذا تكتب كثيرا في هذه الفترة عن الموت. أجبت بت في هذه السن أليفه. ولكن هَب أن أقربائي الأطفال كانوا في السيّارة وبقي واحد منهم كيف تفسّر له ان القتل يحبّه قوم عندنا. كيف تفسّرللطفل ان القتل شيء عبثي فالطفل يلعب مع الطفل بكل حب. لماذا لبنان ليس مملكة الفرح؟ لماذا يحمل الطفل الدمية ودمية البالغ سلاح يلغيك. لا يفهم الولد لماذا كانت القاعدة ان يلغي القوي من لا يستقوي بأحد. أتصوّر أقربائي الصغار كانوا يغنون وكثيرا ما أسمع غناءهم ويفهمون اللغة التي يستعملون في الغناء. ولكن ما هو الفهم الذي يحرّك القاتل؟

#                       #

#

          المنفّذ عمليّة الإبادة لن يقرأني وقد لا يقرأني باعثوه واذا فهم فله منطق آخر. والأصل الفلسفي لكلمة منطق يوناني ويعني العقل او الفهم. وهذا الذي يريد إلغاءنا يلغي الحياة في مطلقها لأنه لا يعرف هويّتنا اذا أتى القتل عشوائيّا.

          لأذهب اذًا في منطق الآمر بقتل الجنود في البحصاص. هو ليس خاليا من العقل المنظّم وربّما من الذكاء. ولكون الاعتداء على الجند ليس المرة الأولى فبلا ذكاء مفرط لنا ان نتبيّن الخيوط التي تربط كل الجرائم ضد العسكر. واذا افترضنا ان المبعث ليس واحدا فالفلسفة التي ألهمت كل الجرائم السابقة وجريمة البحصاص واحدة. لا لزوم اذًا الى بحث كبير وتدقيق عظيم لمعرفة الجناة.

          هذا يوضح ان ثمّة من يريد الانتقام من الجيش. ولكن هذا أضعف الإيمان. ما يتضح من تراكم الجنايات وتتابعها وكثرتها ان ثمّة عداءً للجيش واننا لسنا امام عمليات صغيرة رمزيّة. هناك تصميم على كسر الجيش وربما دعوة الى تفتيته لأنه يحمي المصالحات الوطنيّة. من المستفيد  من هذا التفتيت؟

          ولكن الهدف الأخير هو القضاء على لبنان ومحوه من الخريطة. وممكن ان تثمر المصالحات ولا تنتهي خطة تقويض البلد. هل يُراد تخريب لبنان عن طريق الإخلال بأمن طرابلس وجعلها تيأس من قدرة الدولة على أمن المدينة؟ لقد آمنت عاصمة الشمال بلبنانيّتها منذ تولي المغفور له عبد الحميد كرامي رئاسة الحكومة بصورة واضحة او من بعد انكفائه عن الدعوة الى الوحدة السورية في السنة الـ ١٩٣٦ ولم نشهد بعد ذلك ما جعل الناس يشككون بلبنانيّة المدينة. فالقول بأنها أمست بؤرة للأصوليّة الإسلاميّة لا يأتي تاليا من أهاليها. هل هناك بؤر دخلت اليها خلسة. هذا لا يعسر على الدولة معرفته ولا يعسر  عليها تاليا حفظ كرامة الطرابلسيين وتعقّب أعداء طرابلس اذا كانوا متغللين فيها.

          وكما ضرب الجيش أعداء الوطن في نهر البارد لا يصعب عليه ضرب من يماثلهم او يشبههم في أحياء المدينة اذا كانوا قابعين فيها. ولعلّ من أهداف إحداث تفجير في البحصاص خطة تقسيميّة تعزل الكورة عن طرابلس ومئات التلامذة الذين يذهبون كل يوم من المدينة الى الكورة وان ينعزل في الكورة اهاليها تسهيلا لمهمة الذين يهوون عزل الكورة بسبب مذهبي او غير مذهبي. هناك تشابك او أسباب مفترضة كان لها جذور في الماضي وتؤول جميعا الى برعايةا الشمال او احتضان الشمال من غير القوى اللبنانيّة.

#                        #

#

          ان تصير الدولة دولة هو المواجهة لكل الافتراضات والجواب عن كل الأسئلة. الوطن كله تهدده هزالة كبيرة أقوى من كل المصالحات وبحث قانون الانتخابات والاستعداد لها. من ضمن تقوية الجيش من كل جوانب القوّة بحيث يخشاه المتسترون وراء قوى نجهلها والمتغذية منها. اسرائيل هي العدو الوحيد؟ هل هي وراء الاغتيالات والانفجارات؟ بانتظار معرفة ذلك تقديري ان عدوّي من يقتل أهلي وجيشي. انا أواجه اسرائيل باستقراري اولا اي بقمع المجرمين في الداخل ولا أحد يقنعني ان الدولة عاجزة عن معرفتهم وتاليا عن إدانتهم في مراجع القضاء بعدالة كاملة لأن الدولة جسم لا ينتقم من احد. أريد ان يصل الولد الى مدرسته وان يعود منها والمواطن العادي ان يذهب صباحا الى عمله ويعود وان يتنزّه الناس في الشوارع عند المساء.

          كل التأويلات المتعلّقة بالمذهبيّة تزول حتما اذا عاشت كل المناطق بسلام فلا يشك أحد بالآخر على هذا الأساس ونتقابل ونتلاحم. كل تشهير بكتله اخرى يسقط على نفسه اذا تعايشنا بسلام وما اقتنعنا ان هذا البلد مكتوب عليه الموت الى مدة طويلة جدا. الحلول لا تنزل علينا آليا من الجو. تقرأها السلطات وتتابع تنفيذها. وعند الهدوء يقتنع الجميع ان البلد ليس بحاجة الا ان يرعى نفسه فينصرف الى العيش المنتج والتقدم على كل صعد الوجود ويثبت لمن يهمّه الأمر او لا يهمّه انه قادر على  قامته ان يصبح بلدًا عظيمًا.