مرمى الله من إنسانه أن يكون جديدًا. أن يصبح كلّ يوم وكأنّه خلق اليوم، لا يكبّله ماضٍ، ولا يرهنه هوًى. جدّته في اختزان الرؤى الطاهرة وعزيمة الخروج على الفساد الكامن فيه. إنّه يتجدّد، دائمًا، بهذا التخطّي. وهذه الإرادة تجعل الفرق بين المُجدِّد والمتجدّد. فالأوّل يستحدث صورة وأسلوبًا ونظامًا يظنّ أنّ تجديد الحياة في ابتداع الأشكال. ولا ريب أنّ في الشكل الحديث رغبة انعتاق، ولكنّه ليس انعتاقًا جذريًّا. قد يكون تبديل الصيغة في الأدب والفنّ والسياسة والنظام الاحضاريّ مبعثه حلمنا بإنسان جديد. ولكن، هل يُحقَّق هذا الإنسان، لأنّنا انتهجنا نهجًا حديثًا؟ هل مسسنا داخل الإنسان، لأنّنا وضعناه في إطار غير مألوف؟ وبكلمة أخرى، هل الشعور بالجديد ينشئ جدّة حقيقيّة؟ إنّ الجواب كامن في السؤال. الإنسان الجديد هو آخر بالنسبة إلى مفاهيمه القديمة وذهنيّته، لكلّ ما كان عليه، فأمسى كلّ كيانه بكرًا؟ هذا ليس همّه الأوّل تبديل أوضاع، بل هداية نفسه وإنارتها وتحريرها من كلّ ما يحول دون تخطيّها الوجودَ وذاتَها. والأوضاع، أيّة كانت، تتبدّل بتبدّل ما في النفس. فإذا صفت، فالدنيا كلّها لا بدّ من أن تتخذ شكلاً يلائم النفس، هذه تخلق في المنظور ما يناسبها من إطارات.

ولهذا، ليس صحيحًا أنّ النفس المنشغلة بالقيم الروحيّة لا تكترث لما حولها، لتغيّره. إنّها ليست مصابة بحمّى التغيير لإيمانها بأن تطوير الأشكال ليس، بالضرورة، تطوير الحياة، وبأنّ الحديث ليس دائمًا أفضل. النفس المهتدية إلى أعماق الإنسان ولقاءات ربّها ليست على خطّ الصراع بين القديم والحديث، لأنّ مشكلتها أن ترتفع فوق الشرّ الداخليّ إلى فيض المحبّة والطهر الراحض كلّ أدناسنا. ولكنّ هذه النفس عالمة بتماسّنا مع الكون وبتأثيره فينا، ولذلك تحاول أن تجعل منه بيئة صالحة لنموّ الإنسان الخيّر بأقلّ ما يمكن من العوائق. إنّها لا ترى اصطدامًا ما بين محاولة إصلاح النفس. وقد طُرح الإنسان في هذه الدنيا، ليس فقط ليسودها، بل ليتأمّلها، ويحسّ ما يَرتقب اللهَ فيها.

ثورة جذريّة في أشكال الحضارة وعالم السياسة؟ لا مانع أصلاً إذا كانت في خدمة الإنسان العازم على أن يتجدّد كلّ يوم على صورة خالقه. ثورة جذريّة في داخل الإنسان، إشاعة هذه الثورة بالدعوة إلى التطهير الباطنيّ، من شأنها أن تلاقي كلّ حلم جميل تحلم به الإنسانيّة لخيرها. بهذه الثورة وتلك ولقائهما المنسجم، يتكوّن الإنسان الجديد، وينمو.