منذ بضع سنين أخذ الجسم البشري يسحرني بتركيبته العجيبة الخلابة. اجل كل جسم حيواني يجذبك بتركيب هو غاية في تعقيد يأخذك الى الدهشة ولاسيما ان الحياة- وهذا ثابت- لا تأتي بالتفاعلات الخيميائيّة في اي مختبر في العالم. آلة لا يحركها محرك منظور، تبقى بقوّة التنفّس وتحوّل الأطعمة بالدم الى كل عضو من أعضاذنا فننمو زمنا لا يعرف احد في الدنيا سر نهايته ووقتها.
وفيما كنت أتأمّل في هذا مؤخّرا لاحظت ان كل نتاج الطبيعة الذي يؤكل انما هو مناسب لتركيبنا الخيميائي اذ يتحوّل الينا. أليس ان الذي صمّم جسمنا آلة هو اياه الذي صنع طعامنا وشرابنا؟ هل هذا هو كلّه نتيجة صدفة؟ ولكن اذا أخلّ في أبداننا عنصر خارجي كان الألم. وهذا الألم سبب تساؤل وجداني، كياني. لماذا الألم؟
اذا كان الألم مؤذيا للإنسان والى حقيقة مصيره هل أمكننا القول ان الله سبب أوجاعنا؟ هذا يعيدنا الى سؤال بسيط هل الله سبب الألم ومريده؟ الفكر العبري الظاهر في العهد القديم لا يرى الى الفرق بين ما يعود الى الطبيعة وما يعود الى ررادة الله، يضع السببيّة كلها في الله. فكر العهد الجديد ان ثمّة فرقا بين مشيئة الله ومعرفة الله. ان معرفته الأزليّة لا تحدث الأشياء. تقرأها. على سبيل المثال ليس الله يريد في الإنسان خطيئة. هذه من صنع الإنسان وفي مسؤوليّته والا كنا آلات يحرّكها الخالق ولا يبقى الإنسان حرا وقد ترك الله للطبيعة نواميسها وليس في الله تعسّف بحيث يوجع فلانا ولا يوجع ذاك. نحن لا نعرف حكمة الله من هذا القبيل. جل ما نعرفه ان الله يساعد الإنسان المتوجّع فيخفف عنه أوجاعه بالنعمة التي يغدقها عليه. انه الى جانب مخلوقه في الصحة وفي انحرافها. انه معه في موته وما بعد موته اذ ينشله من الموت بآمال القيامة ويجعله في محنه انسانا يتطلّع الى الخلاص. يترك للطبيعة هوية تحركها.
الله سبب الحرية التي تأخذ مجراها في كل صوب. الطبيعة ولو سرت بإشراف الله عليها نبقى في سرها. والسؤال هو كيف نواجه حرية الطبيعة اذا آذتنا. في صميم هذا الأذى نتوجّه الى الله ليرفع عنا وطأة الأسباب الفاتكة فينا اي اننا نطلب الشفاء ونسلك على الرجاء ونسلم وضعنا الى الله ورأفاته عسى يتدخل ليعيد الينا العافية ولكنا لا نقول مثل العامة: لماذا فعل الله بي كذلك. انت بالإهمال احيانا يتأذى جسمك وتتأذى نفسك او ان هناك عوامل تحل بك وتحاول ان تسيطر عليها بما اوتيت من علم وما أوتيت من صبر والصبر ليس إذعانا للمرض او استسلاما للقدر ولكنه مصالحة مع الله. ولا شيء في الكتاب يدل على ان الانسان المريض او العاجز اعترته الخطيئة اكثر من سواه. الأبرار يتألّمون ايضًا وهذا عطاء لهم من ربهم. لك انت ان تستخرج من أوجاعك رسالة الهية اليك وان تقرأ في ما حل بك تذكيرا لك من فوق حتى تدخل في عافية روحية تنمو فيك وتتجدّد وسط المحنة التي تذوق.
# #
#
ما كان موقف السيّد من اوجاع الناس؟ هو الذي قال في مجمع الناصرة انه وجد في سفر أشعياء ما اعتبره قد قيل عنه هو: «روح الرب عليّ لأنه مسحنى لأبشّر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية» (لوقا 4: 16-18). يرى يسوع الناصري ان مهمّته مزدوجة: تبشير وشفاء. وهذا يؤكّده غير موضع في الكتاب مثلا قوله: «وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى 4: 23).
ولما ارسل اليه يوحنا المعمدان «اثنين من تلاميذه وقال له أنت الآتي ام ننتظر آخر فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون» (متى 11: 2-5). سؤال يوحنا يعني أانت المسيح المرتجى؟ وجواب السيّد لم يكن نعم انا هو ولكنه كان: هذه علامات مجيء المسيح فافهم. الملكوت اذا تحقق بعد المجيء الثاني ملكوت عافية.
بخلاف ذلك قبول الألم مشاركة في آلام المسيح. هذا لا وجود له في كلام الوحي. الفكرة الوحيدة المنتشرة بخاصة في تعليم بولس اننا بالمعمودية نصطبغ لنصير الى موته فندفن معه بالمعمودية للموت اي نسير الى موته حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن ايضًا في جدة الحياة (راجع رومية 6: 1-4). مشاركة آلام المسيح هي إماتة الشهوة ولا تعني إطلاقًا اوجاع الجسد او النفس. اما ان تتحمّل ما يعتريك ويعذبك فيبدأ من بعد الآلام بغلبة الرجاء والفرح. قد تؤتى عطفًا الهيا في ما تتعذّب ولكن هذا لا ينشئه العذاب. هذا ثمرة النعمة التي تمنحك تقديسا ان صبرت وربما وهبتك شفاء اذا رأى الله انه ينفعك روحيا. الألم بحد نفسه قوة سالبة وايمانك برفعه من هذه المرتبة الى رؤية المصلوب في طريقه الى القيامة.
المسيح المصلوب هو رب المجد كما قال الرسول. آلامه هو التي انسكبت حبا هي مجده كما يعلم إنجيل يوحنا وهي صارت سبب خلاص لنا لأنه هو الفادي اي الجاعل ألوهيّته في جسده. فإنه عند دخوله مملكة الموت يواجه الموت بحياته الإلهيّة وانت لا تفدي أحدا ولا تفدي نفسك. هو يخلّصك وسط التأوّه والتنهّد بحياته هو . قد يقرع بانحدارك الجسدي باب نفسك فإن فتحت له يدخل اليك ويتعشّى معك كما يقول سفر الرؤيا. فعند دخوله يحول النقصان الذي حل فيك الى كمال وما كان سلبيا الى إبداع في كيانك الروحي.
لا تفتعل ألما كأنه شرط لافتقاد الرب اياك. هو يأتيك متى شاء وكيفما شاء.
لقد رتّبت الكنيسة بعد توصية يعقوب الرسول سر مسحة الزيت الذي يطلب شيئين العافية والتوبة فالأولى ثمرة الثانية كما ان الخبز المادي صورة عن الخبز السماوي فمن كان له الأكثر له الأقل.
لقد بنت الكنيسة مؤسسات استشفاء رحمة بالناس ما في ذلك شك ولكنها اعتبرت انها بذلك تبذل للمرضى اهتمامها بهم في العلاج حتى اذا تعافوا يشكرون الله.
المهم ونحن امام الإنسانيّة المجروحة ان نقف مع الجائعين والمسلوبي الحرية وإطعام الجائع وتحرير المظلوم، ان ننظر ليس فقط الى إنفسنا ولكن الى البشر جميعا القريبين والبعيدين ليتلقّوا التفقّد الإلهي ويتعافوا روحيا وحسيا ونتشارك واياهم بالتطلّع الى رحمة الله والمحبة الإنسانسة الواسعة. متى يأتي ذلك اليوم الذي نستطيع فيه ان نقول: «وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت» (رؤيا 21: 4).
الا وهبنا الله ان نتوق الى هذه الرؤية.
