من احد الشعانين نحن مع يسوع في سر آلامه وفي سر خلاصنا. دخل يسوع اورشليم القاتلة في حقيقة تواضعه ليذهب الى آلامٍ تطوَّع لها من اجل ان نعرف بموته محبة الله. هتاف الأطفال: مبارك الآتي باسم الرب، ألا نفهمه مبارك المسيح الداخل ليس فقط المدينة ولكن قلوبنا لتحيا به؟

         ثم تأتيك الأمسيات الثلاث الساطعة اعني ليالي الخَتَن (وتعني بالعربية العريس)، السيد يدعونا الى ان نسهر معا ولا ننام نومة الخطيئة. الايقونة تمثله مهانا وأحيانا واقفا في القبر لتوحي بأنه يجعل النفس عروسا له بالموت الذي هو قمة حبه (ليس من حب اعظم من هذا ان يبذل الانسان نفسه عن احبائه). وتتوالى في هذه الليالي فصول الإنجيل التي اوردها متى وقالها يسوع بعد ان دخل اورشليم.

         في صلاة الخَتَن الاولى يقول الرب: “ها نحن صاعدون الى اورشليم وسيُسلَم ابن البشر”. تسنتج الكنيسة: “هلم اذن نحن يا إخوة نصحبه بضمائر نقية”. واخيرا يأتي التعليم عن التواضع منسوجا من انجيل مرقس: “الاول فيكم ليكن خادما للكل”. طبعا الخِدَم الصباحية وفيها القداس السابق تقديسه على ثلاثة ايام مع قراءة النبوءات وايوب البار المتألم وهو صورة المسيح. وكل يوم مساء تتكرر قطعة الختن لنعرف اننا ذاهبون بمشاركة آلامه الى عرس معه حتى نصل الى قمة اولى في الترتيل: “يا رب ان المرأة التي سقطت”، وكأننا نقول: نحن مثل هذه المرأة وقعنا ونبغي القيام. الأربعاء مساء نقيم صلاة الزيت وهو سر من اسرار الكنيسة يقام اصلا على المريض في البيت. غير ان استعماله سقط في الواقع عندنا، ولكنا نقيمه للجماعة كلها في هذا اليوم لكوننا جميعا مرضى جسديا وروحيا.

         قمة ثانية قداس الخميس العظيم الذي يمتاز بأنه ذكرى للعشاء السري. وفي الليل كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة. وقد ارادت الكنيسة على رغم التكرار واختلاف التفاصيل ان نصغي الى وصف الآلام كما حصلت. والذروة هنا الإنجيل الاول وهو انجيل العهد المأخوذ من يوحنا وهو أغزر قراءة عن العلاقات التي تربط بين الآب والابن والروح القدس، وهو خطاب الوداع الذي ألقاه يسوع على تلاميذه في طريقه الى بستان الزيتون.

         غير ان الخدمة التي تحتوي على جوهر الآلام هي خدمة الساعات الملوكية صباح الجمعة اذ تتلى المزامير والنبوءات المتعلقة بالفداء الى جانب بعض الروايات الإنجيلية التي تتكر فيها بعض من الفصول الإنجيلية التي تليت مساء الخميس. وفي نهاية صلاة الغروب التي تختم الخدم نطوف بالإبيتافيون المسمى النعش عندنا، وهو كناية عن ايقونة المسيح المدفون، فتوضع في وسط الكنيسة بانتظار خدمة جناز المسيح. وهي كناية عن سَحَر السبت العظيم وفيها التراتيل المعروفة بالتقاريظ وهي مؤلفة من ثلاثة اجزاء تخاطب المسيح الدفين والمرتقبة قيامته،  وانتظار القيامة يضفي على هذه الخدمة طابع الفرح. فإنها كانت تقام صباح السبت العظيم. خدمة الآلام هي في الحقيقة الصلاة التي تقام صباح الجمعة في الترتيب الحالي.

         واخيرا يأتي سبت النور الذي كان يقام قديما مساء السبت وتجري فيه معمودية الموعوظين الذين آمنوا بالمسيح واعددناهم للمعمودية، فكان يُذهب     بهم الى بيت المعمودية القائم عند غربي الكنيسة، وبعد ارتدائهم الثوب الأبيض كانوا يدخلون حاملين الشموع ونستقبلهم بكلام بولس: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح لبستم”. في اثناء عمادهم كان المؤمنون يتلون من النبوءات ما يتعلق بالعماد والقيامة. ثم تأتي الرسالة لتقول: “ان كل من اصطبغ في المسيح يسوع اصطبغ في موته فدُفنّا معه في المعمودية للموت حتى اننا كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب كذلك نسلك نحن في جدة الحياة”. هذه دعوة لنا نحن ايضا لنعرف ان الفصح اذا تساقط علينا ننال به الحياة الجديدة. ثم يتلى من متى روايته عن القيامة.

         هذا هو في الحقيقة اول قداس للعيد، وكان ينتهي عند الفجر. ثم يقام قداس آخر صباح العيد.          كنا في هذا الصيام كله نستعد للقيامة بالتوبة والصوم والنسك. كنا نتطهر حتى نستحق رؤية المسيح الغالب لخطايانا والمعطينا حياة الأبد.