حل الروح القدس على التلاميذ وأقمنا الذكرى الأحد الماضي. لأنه قدوس يمنح القداسة، ويبين انجيل اليوم انها ليست حكرا على القديسين في السماء. أما سمّى بولس كل المعمَّدين قديسين لكونهم مدعوين بمعموديتهم الى البر والى المجد؟ في القراءة التي اخذناها من متى، يطلب يسوع ان نعترف به قدام الناس، ان نفتخر اننا له، ان نشهد له حتى الموت اذا طُلب الينا الموت. المسيحية هي الديانة الوحيدة في العالم التي تُلزم معتنقيها بالموت في زمن الاضطهاد.

         ولكن قبل شهادة الدم، يريدنا يسوع ان نحبه على كل احد آخر. من طلب احد منك شيئا ضد ما اراده المعلم ولبّيته صرت عدوا للمسيح. انت لا ترضي احدا الا ضمن الشريعة الإلهية. لذلك كل من انتخب ضد قناعاته او بسبب رشوة او مدفوعا بالحقد يكون قد فعل هذا ضد المسيح. والسير مع المسيح فيه ألم كثير اذ فيه احتجاج على هذا العالم وابتعاد عن تصرفات كثيرة يحبها الناس. الفضيلة تفصلك احيانا كثيرة عن احبائك الذين يعتبرونك بسببها أبهل. احيانا توجعك الفضيلة اذ تتطلب جهدا منك كبيرا. وفي كثرة الأحيان ترى نفسك وحيدا.     

لذلك قال المعلم: “من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني”.

         محبتك ليسوع تطلب منك ان “تترك بيوتا او إخوة او اخوات او أبا او اما او امرأة او اولادًا او حقولا من اجل اسمه”. هذا لا يعني ان ترحل عن بيتك وتبقى في الشارع او ان تترك اقرباءك او اولادك بلا إعالة. هذا يعني الا تكون أسيرا لبيت او عائلة او مال. هذا يعني ان تحرر نفسك من كل شهوة ضارة تطغى عليك وتكبلك فلا تبقى حرا من اجل عطاء نفسك للمسيح وللإخوة المحتاجين اليك ولا سيما الفقراء.

         اذا كنت حقودا مبغضا كاذبا فأنت مقيَّد. السيد يريد لنا حياة سليمة، معطاء، خادمة، منتجة. شرط العمل البنّاء، المثمر حريتك الداخلية، حرية النفس المتأججة بمحبة المعلم. هذه تعيش مع المسيح. هذه ورثت الحياة الأبدية منذ الآن.

         ولكن الكثيرين لا يؤمنون بأن ما يطلبه المسيح نافع للنفس. يحسون ان إرادة السيد نير. يرتكبون الخطيئة ويحلمون ان يرجعوا يوما، ولكن قد يخطفهم الموت ولا يرجعون. الشيء الثاني ان الخطيئة تقسّي القلب اذ يعتاد عليها ويستحبها. واذ ذاك يظل اسيرها وعاجزا عن التوبة. ان تعتاد الرذيلة يغرقك فيها اكثر فأكثر. الشيء الثالث -وهذا افتك- ان تصل الى يوم توقن فيه ان الخير لا نفع فيه. عندئذ لا ترفض الإنجيل من شهوة كما يفعل اي خاطئ، ولكن عقلك يرفضه فيمسي عندك الخير شرا والشر خيرا. وهذا هو التجديف على الروح القدس وخطيئته لا تغتفر.

         اما تصحيح الخطأ فممكن اذا ارتميت في أحضان يسوع قابلا كل كلمة قالها، محاولا تنفيذها في صدق ومروضا نفسك على الكلمة. ان ينزل يسوع اليك وان تقبله من كل قلبك ومن كل عقلك ايضا. وهذا لا يتوفر لك الا اذا صليت كثيرا حتى تَبطل الخطيئة ان تتكلم فيك. وعلى قدر الصلاة ان تتغذى من الإنجيل لأنه “قوة الله للخلاص”. واذا لم تفعل هذا فشهواتك ومصالحك هي التي تتكلم وتُحوّلها انت الى حقيقة وهي الأذى عينه.

         تلك هي طريق القداسة. وهي ممكنة وانت مهندس او طبيب او بائع خضار عائشا في عائلتك ومع اصدقائك، آكلا وشاربا.

         القداسة ليست استثنائية، بطولية. هي تعاش على الأرض ومع اهل الأرض، ولكنها تتطلب وعيا وسهرا متواصلا لعلمك بأن الرب هو الحياة والحرية.