في احد مرفع اللحم يقرأ إنجيل الدينونة من بشارة متى. فالكنيسة، قبل دخولنا الصوم، تريدنا ان نفحص قلوبنا لئلا نكون قد ولجنا أبواب الصوم منافقين. هناك تفحص لداخل الكيان لئلا يأتي الصيام دينونة لنا.
اين يقع هذا النص؟ كان السيد دخل اورشليم للمرة الأخيرة وكانوا على مقربة يومين من الفصح وكانت المؤامرة تحاك ليُقتل السيد. أمام الموت الذي كان ينتظره أراد يسوع الا نموت بالخطيئة والا نكون بين صالبيه. فرفعَنا الى تأمل “ابن البشر في مجده”. امام عرش المجد ستدان الشعوب. مجد المسيح سبب فرح لمحبيه وسبب سخط للذين حادوا عنه.
من حاد ومن قرُب؟ الطاهرون هم الخراف وهي بيضاء. والمدنَّسون هم الجداء (الماعز) السوداء يضعها على يساره. يكشف السيد لأهل اليمين حسنهم فيقول: “اني جعت فأطعمتموني” ويعدد حسنات مشابهة: ايواء الغرباء، زيارة السجناء وما الى ذلك. طبيعي ان يقولوا: متى رأيناك جائعا فأطعمناك؟ الجواب المدوي: “بما انكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه”.
يسوع هنا يدمج نفسه او يوحد نفسه مع المحتاجين. يتماهى واياهم بمعنى ان ماهيتهم ماهيته. وكأنه يقول: انتم تحسبون انكم تحبونني. ولكن امتحان حبكم لي هو انكم خرجتم من البخل والأنانية والانعزال الى الآخرين وجعلتم، بالعطاء، انفسكم واحدا معهم. محك صدقكم انكم خرجتم من سجن الأنا الى الآخرين فكنتم واياهم واحدا. اذ ذاك، صرتم واحدا معي.
كيف اكون واحدا مع يسوع؟ بالصلاة نعم، بقراءة الكلمة ايضا. وهذا كله دعا اليه يسوع. ولكن وهم الحب ممكن. كيف تمتحن ان صلاتك حقيقية، عميقة؟ كيف تتأكد انها صادرة عن قلب تائب؟ محبة القريب هي المحك. إنْ اعطيت مالك او بذلت انتباهك وعنايتك لا يبقى شك ان قلبك محب. وجه يسوع يكون مندمجا بوجه الفقير والمريض. فاذا لقيتهما تكون لقيت المسيح.
بالمقابل يقول للفئة التي على اليسار توا: اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الأبدية… لأني جعت فلم تطعموني… وكنت غريبا فلم تؤوني ومحبوسا فلم تزوروني. الجواب الطبيعي عندهم: متى رأيناك جائعا او عطشان او غريبا… ولم نخدمك؟ جوابه هو: “اذ لم تفعلوا بأحد هؤلاء الصغار فبي ايضا لم تفعلوه”. ربما كان من بين هؤلاء من صلى وصام ولكنه لم يقم بأعمال الرحمة. هذه خطيئة الغفلة او خطيئة الإحجام عن عمل الخير. ما يطلبه الله هو الذهاب الى الخير، الذهاب الى الوجوه لأن يسوع مخفي تحت كل وجه محتاج.
هذا انجيل يدعونا الى اليقظة والى الاقتراب من الله باقترابنا من الإخوة. صلوات هذا الأحد تصور يوم الدينونة على انه رهيب وتتكلم على الخوف والرعدة امام المحاكمة. هنا يسوع هو الديان. صورته صورة الإله اللطيف الحنون. غير انك انت اسأت الى لطفه وحنانه لما أهملت إخوتك البشر. حنانه بالضبط هو الذي يدينك. بادر الى المحبة الآن لئلا توبَّخ توبيخا ابديا. واذا كان الله سيديننا جميعا فنحن لا ندين احدا بل نرسله الى الرحمة ونستخدم وقت صيامنا للتقرب الى من اعوزهم طعام او اعوزتهم عاطفة.
