في كتاب «موت الآخرين»، طرح الشاعر رياض نجيب الريّس سؤاله الكبير: على من نثور؟ وتساءل إن كان يجب أن نثور على أحلام، «على الزخم الذي في صدورنا» على تفاهة عقول تحجّرت، «على الزمن». لقد صيغ سؤاله خطأ لغويًّا. فإنّ أجوبته كانت عن هذا: علامَ نثور؟ وكأنّه أدرك أنّ الثورة لا على أشخاص هي، بل على أوضاع أشخاص، ولم يجابه السؤال الأكبر: كيف نكون نحن الثائرين من هؤلاء؟ ما هو مصير الإنسان في ثورة تقوم عليه أو ثورة يقوم بها؟
الثورة على حقيقة الوثبة التي فيها وعلى نشوة الثمرة التي تحمل، تنقصها أبدًا رصانة الاكتراث للأشخاص، ويفوتها دائمًا وقت البحث عمّا إذا كانت المكاسب المتوقّعة خيرًا من القيم المهدورة. لتكون ثوريًّا، يلزمك فعل إيمان بأنّ الآتي هو خير من الحاصل، فعل إيمان من أجله تضحّي بأرواح. وهذا كلّه إلى جانب الطاقة الكبرى من أحقاد لا حدّ لها تجعل العبد سيّدًا والسيّد عبدًا. وبين السيّد والعبد جدل لا ينتهي إلاّ أن نقرّ أنّ المكاسب، مهما عظمت، مؤذية إذا تجاوزت تقديسنا للكرامة الإنسانيّة.
عندما يتساءل شاعرنا الريّس: «أنثور… أم نكبت ونحقد»، أيجهل أنّ في موقف محبّي السلام أو المحافظين كما يسمّونهم – والتسميات اصطلاح – ليس التخاذل دائمًا يسود، لكنّ بطولةَ الصبر وشجاعةَ الشهادةِ والإعلانِ التي تدفع الجماعة إلى إصلاح لا تُزهق فيه روح ولا قيمة؟ ضخامة الثورة في أنّها تطفح ولا تجابه، فيها عنف المراهقة، لا كبر المقاومة السلميّة الناضجة. الاختيار ليس بين الثورة وعدمها، لأنّنا يجب أن نثور دومًا على «تفاهة عقول تحجّرت»، لكنّ الاختيار هو بين العنف واللاعنف، بين التمرّد المراهق وتمرّد الراشدين، بين وثبة خالعة ووثبة بانية لمن يثب بها ومَن تثب عليه. أجل، نحن مع رياض الريّس عندما يقول «لن تخمد النار، لن نطفئ ما في الصدور إلاّ ساعة تموت جفوننا». السلام البنّاء هو حاملٌ تلك الطاقة الثوريّة التي تتحقّق دون تحطيم. إنّ شيئًا في الدنيا لا يتحرّك بغير هذه الطاقة. الإنجازات الروحيّة الكبرى لم تتمّ بدون نار المحبّة الآكلة. والمحبّة هل من زخم ثوريّ أعظم منها إزاء برد الإنسانيّة العميم؟ لن تخمد نار الشهوة إلاّ بنار الروح إذا تأجّجت. هذه هي ثورة الأنقياء التي لا يراها أحد. لا، أيّها الشاعر، أيضًا ساعةَ تموت جفوننا يجب ألاّ تموتَ في نفوسنا النار، ويجب ألاّ يرقد الحبّ. سوف تموت الشهوة، سوف يرقد هذا الحبّ الترابّي الذي يتغذّى من جموحها. ولكنّ الحبّ، الذي لا أنانيةَ فيه، هذه غبطتنا به أنّه لا يرى الموت إلى الأبد.
