العيد تتركه كما تترك بستان ورد. تشتاق إلى رائحتها بعد ان انقطعت. وتحنّ إلى عودة المواسم بسببٍ من التجليات التي رأيت والجديد الذي ذقت. وما من شك ان الارثوذكسي المؤمن المصلّي يتوق إلى مجيء الصوم ويتحسّر لانقضاء أسبوع الآلام العظيم. اجل، لا تزول المواسم الكبرى، فتأتيك العنصرة في الربيع، ويتعيّن في الصيف غير عيد. ولكن ليس كالفصح وما يهيئ له، فالنفس في تلك الفترة لصيقة بالله، تائبة او تُدغدغها التوبة، ومع ذلك على شيء من الحسرة لأن بعضا منا لم يشارك. ونحزن لكون الكثيرين لم يَرَوا الجمالات التي رأينا ولم يريدوا نفوسهم ضيوفا على الله. يحزنوننا انهم لم يأكلوا من المائدة السرية ولم يدخلوا الخلوة مع العريس الإلهي او هكذا يبدون لأنهم ظلوا خارج الجماعة المجتمعة للكلمة والجسد.

          اما الذين ذاقوا طعم الملكوت وارتشفوا كأس الخلاص فالخوف عليهم بعد انقضاء الموسم أن يَفتُروا لأن الكنيسة لا تُلاحقهم بالزخم الذي لاحَقَتهم به في الصيام الكبير وما جاوره وتبعه. الا انها تُقدّم لهم الغذاء في الآحاد وبعض التذكارات. وحضَّتهم ليصيروا بالغين ويبقوا على إلفة يسوع التي كانوا عليها في المواسم العظيمة. تريدهم الكنيسة ان يتّكلوا على مُعاشَرتهم للإنجيل في بيوتهم وعلى صلاتهم الفردية وألاّ يدعوا التجربة تَطغى عليهم. فحبهم للسيد يُمكّنهم منه. هكذا يفعل المهاجر إلى بلد ليس فيه كنيسة من كنائسنا. يصطحب إنجيلا والسواعي الصغير او اي كتاب صلاة. ويصير الكتاب كنيسته، ويبقى على الأمانة كما يبقى على الأمانة من ودّع زوجته وسافر. ذِكْرُ وجهها يُبقيه على العهد. ووجه يسوع يتابعنا في كل مكان. الراهب القديم الذي كان يغادر ديره طوال مدة الصيام ويعود اليه في أحد الشعانين كان حافظا لبعض الصلوات ولكنه لم يكن يحمل كل الكتب الطقسية ويكتفي بما هو معروف بدعاء اسم يسوع: «ايها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطئ». هذا الدعاء كان يجعل في قلبه حضرة السيد المباركة.

          هناك اذًا الصلاة الفردية الواعية، وهناك الطاعة على ما قاله المخلّص: «مَن أَحبني يحفظ وصاياي». كنيسة الانسان فيه إن كان بعيدا. والعيد فينا اذا انقضى. ما نسمّيه بالعامية «الصلبة» مساء الخميس العظيم هي في القلب بعد ان انحجبت عن العين. فالمؤمن صالب شهواته ويرتقي إلى فوق حيث المسيح جالس في السماويات.

          ويرافق كل هذا المحبة. فهي التي تبقى بعد زوال كل شيء. والمحبة ألاّ تحسد اذا حسدوك، ولا تُقصي عن قلبك ذلك المخلوق الذي يبغضك لأن قلبه غير قادر ان يحتويك. ابذل نفسك دائما هو الفصح ولا تنتظر جزاء ولا شكورا. فهناك من لا تؤثّر فيه المحبة ولكنها تَجْمع جمرًا على رأسه. هذا شأنه اذا أراد أن يبقى قزما. لا تطلب لنفسك امتيازا او معاملة خاصة، وبخاصة لا تشتهِ مكانةً في قلب أحد. ارمِ قلبك في كل القلوب. ما جاء في الإنجيل انهم يرثونه. البهاء الروحي لا يبهر الا المعدّين له. قد يحجم الأقزام. قد تعطي نفسك لإنسان ولكنه هو يؤْثر ان يموت في خطاياه. كفاك ان تبكي عليه وتبكي عنه.

          سِرْ وكأنك دائما في العيد. لأن جمال العيد يهبط عليك ويجعلك دوما انسانا جديدا. مَن ساعَدَك على التوبة كان هو صديقك، ولكن لا يَهَبُكَ توبة إلا ربك. لا تَخفْ الا من القادر ان يرميك في نار جهنم، ولكن إن جعلت المسيح درعك فلا يصل اليك سهم من احد ولا من نفسك. توكل وعش على الرجاء. كن عليه ولو سقط الأكثرون حولك فأنت قادر ان تخلّص نفسك. اما نفس الآخر فجلّ ما تستطيع مِن أجْلها ان تُمهّد لها سبيل الخلاص. سرّها فيها ولا يعرفه الا الله. لا تدنْها لئلا تُدان! اذا مشيت مع الله وكنت في صحراء فإنه واحة لك ترافقك. هكذا يطل عليك دائما وجه يسوع.