كنا أمسكنا يوم الاثنين الماضي عن مشتقات اللحم اي أمسكنا عن ذبح الحيوان وما ينتج منه تعبيرا عن رفضنا للعنف والحقد والبغض والغضب وكلها تعابير من رفض الآخر، إقصاء الآخر الذي هو نوع من انواع إماتته ولو بقي جسدا حيا. ان كنت للآخر في قلبك مقصيا فهذا ناتج من كونك غير غافر للناس زلاتهم. تقطع عنهم في فكرك الوجود. نظريا انت تقيم الله ولكن منفصلا عن ابنائه.
أنت لا تغفر للناس لكونهم أساؤوا اليك فإن لك عليهم حق الاحترام والتوقير. فاذا لم يحسوا بهما تجاهك فأنت مصدوم ومجروح. تقيم عليهم خطاياهم، اي تريد ان تحبسهم فيها ولا تهتم لشقائهم، لحريتهم، المهم انت وجرحك.
هل الغفران يعني ان تنسى الاساءة. سمعت هذا وذاك يقولان انا اغفر ولكني لا انسى. هذا كلام ليس له عندي معنى. ان تحفظ ذاكرتك سيئات الآخر سنين طويلة يعني انك لم تصل الى حبه لانك لا تزال تحب جرحك اي انك مركز على جرحك اذ تراه عظيما ولا تستعظمه الا اذا رأيت نفسك عظيمة جدا.
ان تغفر لا يعني فقط ان تزيل التأثر والانفعال الهاتك ولكن ان تنتقل الى بناء الآخر، الى خدمته، الى التفتيش عنه اذا ضل في الطرق الوعرة، الى السعي الى ترميم نفسه الممزقة وانعاشها والى الفرح بالسلام الذي حل فيها من بعد غفرانك. ان تغفر هو ان تجعل الآخر يحس من جديد انه من ابناء الله اي انه اخوك وانكما ضربتما العزلة التي فرقت بينكما.
ولعل من أسوأ ما في الحقد او البغض انه يغذي نفسه اذ يسيء الظن بالآخر فيتفاقم تصور سيئاتك عنده. قد يلقي عليك السلام وتحسب انه ذو غرض. كل فعل له يبدو لك رديئا لانك اقتنعت ان شيئا صالحا لن يخرج منه.
ثم ينتقل السيد الى الحديث عن مظهرنا في الصوم أكان من الاصوام القانونية عند اليهود ولاسيما منها صوم يوم الغفران ام كان صياما طوعيا كهذا الذي ابتدعه الفريسيون مرتين في الاسبوع. لا يأخذ المعلم موقفا من الصوم الطوعي ولكن شجب الذين ينكّرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين بحيث يصطنعون التجهم لكي يبدوا صائمين اي لكي يتحدث عن تقواهم الناس وليس ليمجدوا الله. الصوم علاقة بينك وبين الله وتختفي انت في هذه العلاقة. في الكنيسة يولد الصوم فينا فرحا وفي بيئة كنسية لنا ان نقول اننا صائمون وممسكون عن هذا الطعام او ذاك لو قُدم لنا.
واخيرا يأتي الحديث عن المال: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الارض… اكنزوا لكم كنوزا في السماء… لانه حيث تكون كنوزهم هناك تكون قلوبكم”… قصد هذا الكلام ان علاقتك بالمال مؤسسة على علاقتك بالله فاذا جعلت الله كل شيء في عينيك لا يكون المال شيئا وان كان لا بد من استعماله. المسألة هي هذه: هل تضع شيئا ازاء الله او الى جانبه او يضاف اليه. المال له وجود انت تحركه واذا عدمته كليا تموت. مع ذلك ليس له قيمة. له ثمن وقوة شراء ولكن انت تضفي عليه قيمة اذا اشتهيته. الشهوة منشئة من العدم وما انشأته على صعيد القيمة يبقى عدما.
لذلك قال بولس في الرسالة التي نقرأها غدا وهي الرسالة الى اهل رومية: “ان خلاصنا الآن اقرب مما كان حين آمنا. قد تناهى الليل واقترب النهار”. ثم يذكر جملة من الخطايا ينهيها بقوله: “لا تهتموا لاجسادكم لقضاء شهواتها”. ويذكر ايضا الخصام والحسد حتى لا ننسى اننا نخوض حربا غير منظورة تتطلب تغييرا كاملا للسلوك يشير اليه بعبارة “البسوا الرب يسوع”، ويعني بذلك اللصوق به كلصوق الجسد بالثوب. فاذا عطفنا كلام بولس على كلام متى يكون جهاد الصوم ان نخلع عنا كل اشتهاء مؤذ يمزق المسيح كتمزيق الثوب.
أجل ليس في العهد الجديد تصنيف للخطايا وما من حديث عن جسامة هذه وجسامة تلك ما خلا قولة لبولس: “محبة المال اصل كل الشرور”. فالشهوات تتوالد فيتوالد الكذب من السرقة غالبا ومن الزنا ضرورة كذلك الفضائل فالصدق والمحبة والتواضع متماسكة وتقوي احداها الأخرى. من السرقة مثلا. والكذب من الزنا بالضرورة. بنى بولس على هذه الرؤية او هذه الخبرة ليقول: محبة المال اصل كل الشرور. فما من بخل لا يباعد بين الرجل والمرأة اذ يكشف ان الفريق البخيل غير محب. كذلك فسق الاغنياء مرتبط دائما بمبالغ تعزز الروابط. هناك لحمة بين الجنس والمال تختلف قوتها بين شريحة مالية وشريحة.
لا يمكننا فهم ان المال اصل كل الشرور وعلاقة ذلك بالصوم الا ان فهمنا ان إتمام الشهوة ناتج من خوف الموت. لقد جاء المسيح ليبطل خوفنا من الموت او كما يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين: “ليعتق كل الذين كانوا طوال حياتهم في العبودية مخافة من الموت”. نحن نرتاح الى الخطيئة اذا توهمنا في لحظة تحقيقها اننا لا نموت. ثم نرى نفسنا اسرى العبودية من جديد دائرة مفرغة حتى نعرف ذاك الذي حررنا من مخافة الموت لما ذقنا حياته واصبحت هي حياتنا. قبل ان نتحقق هذا نخترع مسيحا لنا كاذبا وهو الشهوة كل حسب ما يجنح اليه. المسيح الكاذب هو من نظن انه يعطينا طمأنينة. ولكون المال هو مصدر الطمأنينة العظيمة اذ يحول دون الموت اذ نأكل ونكتسي ولنا به مسكن وزواج او معاشرة اعتبر بولس اشتهاءه اصلا لكل الشرور.
واذا الغينا في الصيام شهوة الطعام اي شهوة الوجود الجسدي وما قد يتماسك بها من شهوات اخرى واستعففنا فلا تبقى أية شهوة. مبدئيا هذا مبعث الى ان المسيح هو المتوكل عليه.
ورمز هذا التجرد عن الاشياء والتحرر منها الامساك – كماً وكيفاً ورياضة صلاة واستدرارا للكلمة – فنضع المال في موضعه اي في العدم القيمي على رجاء ان يتراءى لنا السيد القيمة المطلقة.
أنت لا تصوم الا في رؤية ان المال ليس شيئا وانك تاليا فقير الى الله. لا يمكنك ان تصوم الا بدءا من احساسك بهذا الفقر. سئل واحد من كنيستي مرة: كيف تستطيعون الا تأكلوا خلال هذا الموسم والا تستطيبوا اللحم وما اليه. اجاب: نحن نأكل صلاة. السؤال هو ماذا في القلب اذا فرغ الجوف. في الكنيسة الارثوذكسية عندنا دعاء نسميه صلاة القلب نقول فيه: ايها الرب يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني انا الخاطئ.
هذا الدعاء ممكن فقط اذا صرت الى المسيح فقيرا. يكون، اذذاك، ساكنا فيك ونفسك عند ذاك لا تبقى ذائقة الموت لانها بعد يومين تتمتم الفصح.
