آخذ الصلاة هنا حسب المصطلح المسيحي أعني ارتفاع النفس الى الله أكانت صلاة في الجماعة المقامة في أوقاتها أم الدعاء الفردي المؤدى ظاهرًا خارج الجماعة ولكنه مقرون بها لكون قلوبنا متناغمة متلاقية اذ الانسان المنتصب في حضرة الله واقف دائمًا مع الإخوة.

فمما أمره الرسل أن تلقى أخاك في الايمان في مكان واحد، أن تنتظم معه بقول وحركة في عمارة ولحن وكلمات تخرج من القلب والعقل في فصاحة التجويد والانشاد طلبًا لجدية الجمال. فأنت تقوى بأخيك اذا التمستما الحقيقة معا وأن انشأتكما الكلمة لتصير معه ومع الآخرين الأمة المقدسة. والذين يتركون عباداتهم انما يحيدون الى اعتزال الحب المصلي ولو لم أنكر على واحد منهم قدرتهم على الامتلاء من الله في عزلتهم.

طالما استعمل بعض كلمة «طقوس» بمعنى انخفاضي يصل أحيانًا الى حد الاستعلاء على المصلّين في بساطة نجواهم وكأنهم يتهمونهم بالسطحية أو الشكلية أو اللافهم وقد غاب عن ذهن هؤلاء ان العابد الصادق انما تدفعه طاعته لله ورغبته في ان يكون مع أحبته والاستمتاع بالكلمات التي صاغها القديسون وتروض بها الناس جيلاً بعد جيل.

ان التقوى مراس أو فيها مراس. ان تكون محصنًا بصلاتك صباح مساء وظهرًا وعند المغيب يحيطك بأسوار قد تمنع عنك غزو الخطيئة وتقيمك في حالة التلقي الحاضن لكلمات الرب. قصتك معه أو بعض من القصة ألفة كلامه. ومعناها العميق ليس فقط أن تتقبل الكلمة تضاف الى كلماتك ولكنها تلغي الكلمات الناهدة اليك من شهوتك فان كلمة الرب اذا غذتك تطهرك من إثم كلام لك خداع.

مصليًا في الجماعة وفي انفرادك انت واقف أمامه، لا ترى سواه فاعلًا. مع ذلك قد يحيد بك جمال الطقوس عن مضمونها وروحيتها. وهذا، بخاصة، في الكنائس الجميلة عباداتها، الغني تنظيمها، المكثفة والمتنوعة نصوصها. دائما أزعجني قول بعضهم: «كان القداس جميلا» اذ عند تحليل هذه العبارة تجد ان الناس استساغوا اتقان الترتيل والناحية الفنية بعامة. فاذا تفحصنا نوعية اقبالنا على العبادات ولا سيما اذا كنا غائبين عن المعاني نرى أنفسنا أمام هذه الكارثة أن المسيح دفين الطقوس. ولكن هذا لا يستتبع انه عليك ان تلغيها لتجعل لنفسك صلوات جماعية هزيلة الشكل والاداء. ليس من معنى لا صورة له، لا يتسربل كلمات مجودة اللفظ. وفي المسيحية التراثية يجمل المعنى بالايقونة والترتيل وفق التراث ولو قبلنا تجديدًا معقولا».

#  #

#

والفهم يتطلب ترويضًا على المعاني والرموز خارج المعبد وعلى معرفة الكتاب المقدس الذي هو نفحة العبادات وأصل تركيبها وتعابيرها. هناك شبكة مفاهيمية وتراث ينقل الكلمة الالهية. هناك أجيال صلّت قبلنا ودفعها الى صلاتها الروح الالهي وتركت لنا كنوزًا من المعاني لا تفنى. وانت تبدأ مما ورثته عن الابرار ولا «يوضع أساس غير الذي وضع».

وتدخل أنت على الميراث اذا شئت ان تصلي أو تدعو ولا تؤلف اذا دعوت على انفراد ما ليس متصلاً بمفردات الخلاص الذي نزل عليك وأنشأك ورباك وأصلحك. واذا دخلت صلاة الجماعة فأنت وحدك ماثل في حضرة الله أي أنك انت تصلي ولا أحد يقوم مقامك. الاصفياء من الاخوة يقيتون روحك اذا هي ارتفعت وانت تقيتهم ولكنك واقف في ما عندك من ضعف وقوة، في ما تستغفر انت وتتوب ولا ينوب عنك أحد بالتوبة ولو قوى صلاتك بما تراه عليه من حرارة. انت لا تذوب في الجماعة واذا وقفت فيها لن تقف حارًا ما لم تكن عظيم الانتباه على صلاتك الفردية.

في الكنيسة أو في بيتك مبتغاك ان تجيء من الله لعلمك بأنك لست على شيء. كثيرًا ما سمعت في أوساط الكسالى: هذا مرتكب ومع ذلك يذهب الى الكنيسة في الآحاد وكأن هؤلاء المتباعدين عن الصلاة غير مرتكبين. الخاطىء الذي يرتاد الكنيسة انما يقر ضمنًا انه انسان خاطىء. وانه جاء ليستغفر ويطلب من هذه الجماعة حبها له اذ يقر بأنها أخوية قلبه. يعرف نفسه مكسورًا، مريضًا، وجاء ليستشفي. دائمًا في المصلي اعتراف بالخطأ ضمنيًا كان أو صريحًا. من صلى مع الجماعة أو في بيته كان على شيء من التواضع، من الامحاء أمام الوجه الالهي الذي يطل عليه.

عمق الصلاة أن يحس المؤمن انه فقير الى الله، انه يتكون برضائه وانه دون ديمومة ذلك ليس بشيء. بدء الصلاة في هذا الاعتراف. وهذا يتضمن الاقرار انك لن تصير شيئًا الا بالتفاتات الرب اليك. واذا تكونت سنين طولى بهذه الالتفاتات لا يبقى فيك شيء منك ولا هذا الغرور الذي يدفع الأكثرين الى ان يحسبوا ان ما لديهم انما هو ثمرة جهدهم وقد علّمنا آباؤنا الكبار اننا ندخل الملكوت برحمة الله. المصلي الدائم هو ذاك المسترحم الدائم الذي يريد أن يمشي على دروب الرب ليبقى له من الرب نصيب.

#  #

#

من صلى وفق قلب الله أي التماسًا للملكوت لا طلبًا لهذه الدنيا انما تكيف النعمة قلبه وتزيده احساسًا بمقاصد الله فيصبح بصلاته الموصولة لله مجانسًا أي يقتني ما يسميه بولس «فكر المسيح». فاذا اكتسبه يصلي حسب عقل المسيح أي ينسج كل صلواته وفق «الصلاة الربية» ويطلب مشيئة الله فقط. فاذا نظر الله اليه بعد طول مراس يراه لنفسه مرآة. طريق هذا الانسان تصبح طريق الرب. بهذا المعنى قال الكتاب اننا ذرية الله اذ بسبب هذا التكوين الداخلي لنا نصير أبناء الله.

بعد هذا تدعو بكلمات أو بصمت عن كلمات العقل. يدخل قلبك في النجوى. أجل. لكونك أخًا للمؤمنين ولكون كلمات الكنيسة هي اياها كلمات الرب وسهرًا على تواضعك تمارس الخدمة الالهية التي تؤدّى في البيعة. هذه ضمان لتصلي بروح الله وهذا يقين انك تخلص مع الآخرين وبالآخرين. وهذا ما يؤهلك – اذا كنت خارج المعبد – ان تعبد الله بروحك أي بلا كلمات. فالكلمة الوحيد للآب يسكن فيك بالروح فإن «المولود من الروح هو روح». حياتك كلها تصير نطق الروح فيك.

هذا كلّه يسيل فيك دموع التوبة الدائمة حتى لا ترى وجها غير وجه الله وتصير انت بدورك كلمة فمن رآك يحس انه يرى المسيح.