غدًا لها ذكرى في كنيستي، خاطئة كبيرة تابت توبة كبيرة. ربما يجذبنا اليها توق إلى الرجوع اليه ولما نتب. هذا الحزن على نفسي في اشتياقي إلى وجه الآب جعلني ادنو من هذه المرأة التي بعد فجور كبير حلّ الروح فيها بصورة مذهلة وهو يحل حيث يشاء ويكسر كل جدار أقامه الإنسان في نفسه دون رؤية الله. حدثنا عنها صفرونيوس بطريرك أورشليم ولكني مسقط من السيرة بعضا من تفاصيل ليست أساسية.

ريفية مصرية شبقة منذ بلوغها أو بعيده تمدينت في الاسكندرية المترفة المسترخية المتساهلة، احدى عواصم الفكر الاغريقي، المشبعة بالعلم والمستطيبة الازياء، كما نتبين ذلك من متحف الاسكندرية اليوم وأعظم مكتبة في العالم القديم كانت لا تزال فيها قائمة. مزاج من الشهوة والعقل. ولعل مريم هذه تزودت، فيما كانت تتعاطى الدعارة، شيئا من هذه المعارف ومنها الغنوصية اي العرفان، وكانت الغنوصية تحتقر المادة وتاليا الجسد. فاذا انت احتقرته يجعلك هذا تقع تحت وطأته أو يجعلك تسوده. وهذا ما عرفته كل الحركات التي كانت تقول بالثنائية الجوهرية بين النفس والجسد أو باستقلالهما أو تصادمهما.

تلك كانت بيئة مريمنا على ما يبدو لي من معرفتي للإسكندرية في القرن السادس للميلاد. ربما اراد صفرونيوس ان يجعل هذه الفتاة موغلة في المعصية اذ قال انها ما تقاضت عن فحشها أجرا. فللبغاء احيانا عذر الفقر. غير ان هذه كانت بلا عذر كأن الذنوب كانت جنينية فيها وكأن هدايتها كانت من العسر يشبه المستحيل.
وكانت مرة عند المرفأ ولعلها كانت ربيبته. وجدت جمهورا يتراكض إلى البحر، وفهمت انه ذاهب إلى القدس لإحياء عيد الصليب فخطر لها ان تركب البحر وهي خالية من اجرة السفينة. كيف استفاقت فيها معموديتها ثم أنى لها ان تدفع ثمن السفر؟ قالت: «اني املك جسدا، وسيستعيضون به عن المال للرحلة». كيف هذا الخليط بين السقطات واشتهاء الحج؟ من يساكن من في قلب الفتاة؟ هل يتبل الدنس والرغبة في دخول كنيسة القيامة؟ قبل التوبة العارمة التي تستأصل منا كل قباحة الماضي نبدو اختلاطا مريعا حتى نكسر الطين المتحجر فينا ونرمي التراب إلى التراب ويبقى الجسد والنفس معا قامة واحدة من نور.

بلغت القدس والكنيسة فأبى الله عليها دخول هيكله. وجدت نفسها في الرواق وحيدة فيما الحجاج يدخلون وحاولت عبثا الولوج. وحدها مقصية من رؤية الصليب الذي رُفع عليه يسوع. في هذا الاقصاء الرهيب واقتلاعها عن السجود كشف الله قلبه لها وقال لها ان ثمة فرحا عظيما ما كنت تعرفينه ولكنك ستعرفين. ووقع نظرها من بعيد على ايقونة مريم المصطفاة وسألتها ان تمكنها من رؤية الصليب ووعدت بانها لن تدنّس نفسها في ما بعد وانها ستذهب إلى حيث الله يريد.

فسجدت وقبلت ايقونة العذراء وسمعت صوتا من السماء يقول: «إذا عبرت الأردن تجدين راحة مجيدة». فسارت في الصحراء حتى بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان التي على ضفاف الاردن. وبعد ادائها الصلاة أكلت قليلا ووجدت مركبا صغيرا نقلها إلى الضفة الاخرى ولازمتها سبعا واربعين سنة تقتات من عشب البرية وتوغل في الصلاة.

تهاجمها اهواؤها الماضية المنثنية في كيانها كله وتشتهي طيبات الطعام والشراب وترغب في الاغاني التي كانت تغنيها على شواطئ الاسكندرية. ولكنها ذكرت العهد الذي قطعته على نفسها أمام أيقونة مريم في كنيسة القيامة وبقيت على العهد واستنارت. وسكتت العاصفة فيها بعد سبعة عشر عاما من الجهاد الضاري حتى تنزلت السماء عليها واعطتها السكينة. ونحن أهل الروحانية المسيحية الشرقية نتحرك في السكون أي ننتقل من مجد إلى مجد، على ما يقول الرسول.

هنا يدخل صفرونيوس قصة اخرى اذ يذكر راهبا يدعى زوسيما كان يظن بسبب نسكه العظيم انه أدرك البر. وصحراء الاردن منذ القرن الرابع كانت تعج بالرهابين. غير ان الرب شاء ان يوضح لزوسيما انه لم يبلغ الكمال. وهذا الظن كثيرا ما يدهم الاصلحين وخطيئتهم، اذذاك، فتاكة اذ لا يقتلنا شيء كالكبرياء.
وكانت عادة الرهبان ان يغادروا ديورتهم في اليوم الأول من الصوم بعد اداء الصلاة ويوغلوا في البرية كل على حدة ولا يجتمعوا الا يوم أحد الشعانين. فخرج زوسيما كالبقية. وبعدما مضى عليه قرابة عشرين يوما اتجه نحو الشرق وصلى صلاة الظهر، فلمح على رابية قامة بشرية. واذ حدق في هذا المنظر رأى هيئة بشرية تنحو نحو الجنوب وكانت عارية (اذ لم يبق شيء من ثياب مريم بعد اربعة عقود من الزمن)، داكنة الجلد، شعرها ابيض كالصوف «فجد في أثرها فلاذت بالفرار فلحق بها». خاطبها طالبا ان تقف فأجابته “اني لا استطيع ان استدير اليك واكشف وجهي فأنا امرأة وعارية فاليّ بردائك لاستتر واتمكن من التحدث اليك”. فنزع رداءه وألقاه اليها. اذ ذاك طرح الراهب نفسه على الارض ملتمسا بركتها (أي نسي بره) والتمست بدورها بركته.

اعترفت بكل ما اقترفته وصلبت وجهها وتكلمت عن توبتها وقالت له: في السنة المقبلة إذا حلت ذكرى العشاء السري أي مساء الخميس العظيم ضع القرابين المقدسة في اناء لائق واتني بها وسألقاك عند ضفة النهر المأهولة.

في السنة التالية لما حل الصوم الكبير بقي زوسيما في الدير، اذ اصابته وعكة. ولما حل الخميس العظيم ولقيها في مكان الوعد فأراد ان يسجد لها منعته فناولها. وفي السنة اللاحقة حمل اليها الكأس المقدسة إلى المكان نفسه ورآها ممددة ميتة ويداها مصلبتان إلى صدرها فوضعها في حفرة ورقدت في سلام الرب في أول نيسان من تلك السنة.

لعل الكنيسة وضعت الذكرى قبيل التوبة الكبرى النازلة علينا في أسبوع الآلام لندخله على الرجاء ونميل النفس إلى الاقتناع بالطهارة والتروض لاقتنائها. وهذا يتطلب اعراضا عما يعميك عن رؤية الفرح الالهي الذي ينزل عليك إذا شئت (اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم). ليست قضيتنا مع الله ان نروض الارادة على فعل الخير. انها ان تفتح القلب ليحب الخير. هذا هو الذي يدعوك إلى مكافحة الاهواء أي شروش الخطايا.

ان تؤمن بأن الصدق لا الكذب ينجيك وان ثأر البغض يمزق وحدة كيانك وسلام الغفران يجعلك بلا نتوء ومعليًا الناس عليك وان اخلاصك لزوجتك يجعلك تعيش الفردوس في العائلة. كل هذا قد يجهله ناس كثيرون، والله ان عدت اليه دفعة واحدة هو وحده يؤتيك العلم بالنقاوة.

وإذا مارست رياضة التقرب من الله ترى في لقاءات الوجد به انك بت انسانا جديدا. وإذا بلغت في هذه المسيرة مبلغا كبيرا تحس ان هذا يكفيك ويغذي ليس فقط روحك ولكن جسدك ايضا. تستقيم فيك «صحة النفس والجسد»، كما نقول للأطفال إذا تغذوا بجسد الرب ودمه. وسوف تعلم إذا اعتنقت مراس البر انك قبله كنت حجرا فتيتا وما كنت مرمرا ساحرا.

لذلك كانت دعوتك قبل ولوجك الاسبوع العظيم ان تستأصل منك أصول السوء لئلا تتعطل الرؤية وتبقى سجين الظلام. وإذا قامت مومس رهيبة في الاسكندرية بهذا التحول العظيم، فأنت مثلها قادر بنعمة ربك على ان تستضيء وتصبح وجه الله عندنا.