لماذا يموت من له عشرون من العمر وآخر له تسعون وما فوق؟ لست أعلم، الله يعلم ثم ما تحديد الموت علميا؟ كل ما نعرفه ان هذا الجسد مختبر خيميائي اذا اختلت وظائفه بحيث لا تتكامل تذهب عن الإنسان روحه، واذا مات الدماغ فلا رجوع الى الحياة.

السؤال الذي يواجه المؤمن هو ان الله يميتنا كما أنّ الله يحيينا. هل يقرّر الرب او قرّر منذ الأزل ان عمرنا محدود. هل هذا مكتوب عنده ام ترك جسدنا للنواميس الطبيعيّة بعد ان اوجد هذه النواميس ليرعى بها الأرض من نبات وحيوان وبشر؟ إعتقادي ان الإنسان لا يخرج عن قوانين الطبيعة، ويموت متى اختلّ الجسم وتعطّلت وظائفه، وان الله يتلقاه من موت الى رحمته. فاذا مات توفاه أي استعاد وديعته فيه وأقامه في نطاق الرحمة حتى يوقظ جسده في اليوم الأخير ويستعاد كيانه نورانيّا في ملكوت المحبّة.

المطلوب عند الله ان نكون مستعدين لاقتبال هذا الحدث وألّا نرقد روحيا رقدة الموت. نباهة النفس هي التي تـجعلنا قادريـن عى استقبال هذا الحـدث المريع لكل إنسان. ما من شك ان هناك ناسا أقوياء بالروح القدس لا يرتعدون عند الصدمة الأخيرة لوجودنا الحي. آباؤنا النساك حضّونا على ذكر الموت كل يوم لنبقى على الورع: «احفظنا من رقاد الخطيئة المدلهمّ». هذا ما نقوله في صلاة النوم ولنا ان نردّد كصدى لكلام المخلّص على الصليب: «يا رب في يديك أستودع روحي» كي لا نؤخذ ونحن غافلون.

ما من شك أننا نلتقي الرب فور وداعنا هذه الدنيا. ليس في كنيستنا تعليم عن دينونة خاصة فوريّة. فاذا كانت الدينونة هي المواجهة، ما من شك ان لنا مواجهة للرب عندما نتخلّص من هذا الجسد. هذه المواجهة رهيبة جدا اذا قرأنا كلام بولس: «هائل هو الوقوع بين يديّ الله الحيّ» (عبرانيين 10: 31).

ليس أحد منّا قادرا ألاّ يرتجف اذا فكّر بأن المثول أمام الحضرة الإلهيّة أمر خطير جدًا لأن أحدًا لا يعرف كل خطاياه او عمق خطاياه. ولكون الله قادرًا أن يقرأ أعمالنا كلها وأفكارنا كلها ونيّاتنا كلّها، فمن يحتمل سخط غضبه. مَن يستطيع أن يقف بلا ارتجاف دائم.

«أَبعِدْ عنى هذه الكأس» (متى 26: 39) كلام لنا ايضا كما كان للمخلّص في الجثسمانية. ليس من مصالحة ممكنة بيننا وبين الموت لأن الكتاب يسمّي الموت عدوًًا بقوله: «آخر عدو يُبطَل هو الموت» (1كورنثوس 15: 26). وقيامة المخلّص لم تجعله صديقًا لأن «أجرة الخطيئة هي موت» (رومية 6: 23). القيامة وعدتنا بأننا سنُنقَذ منه في اليوم الأخير واننا نتجلّى ويبقى الموت كارثة مريعة الى ان ينقذنا الله برحمته.

اتكالنا على الرحمة لا ينبغي ان يبقينا في الكسل الروحي. فالرسول يطلب الينا ان نجاهد حتى الدم ليكون تعاملنا مع الله جديًا، لنستحق ان نصير أبناءه، لتفرح الملائكة بلقائنا متسربلين حلّة النور. ولكن البرّ الذي اكتسبناه لا يشكّل تذكرة دخول الى السماء. التذكرة تأتي من الداخل وهي الرحمة.