في علاقة يسوع الناصري بالناس شيء لافت أن السيد كان يأكل مع العشارين والخطأة (متى 11: 9) والعشارون هم جباة الضرائب، ولامه على ذلك الفريسيون المنتسبون الى حركة دينية متزمتة لأنه خالف بذا أحكاما صارمة للربانيين. غير أنه قال: “ليس الأصحاء بمحتاجين الى طبيب، بل المرضى”. الواضح أنه كان يكلّمهم على الله. في خط التهمة ذاتها قال عنه هؤلاء: “هوذا رجل أكول شريب للخمر صديق للعشارين والخطأة” (متى 11: 19). الداعية اليهودي يرفض أن يكلم الساقطين لئلا يعتبر ذلك معاشرة. بخلاف ذلك كان المسيح الذي لم يتحرج أن يقبل دعوة الى مائدة أقامها له لاوي العشار الذي هو متى الإنجيلي وكان اليه جماعة كثيرة من العشارين وغيرهم.
شيء شبيه بهذا صار بين المعلم وعشار اسمه زكا. هذا كان رئيسا للجباة في أريحا أو منطقة أريحا وكان غنيًا. كان المخلص أحيانًا يقبل دعوة الأغنياء لأنه على انتمائه الى الفقراء وشدة كلامه على الأغنياء كان يسعى الى خلاص الجميع. هذا الرجل “قد جاء يحاول أن يرى من هو يسوع، فلم يستطع لكثرة الزحام، لأنه كان قصير القامة. فتقدم مسرعًا وصعد جميزة ليراه، لأنه أوشك أن يمرّ بها”.
هل يطلب كل منا أن يرى في قلبه من هو يسوع. قد تكون هناك عوائق كثيرة دون هذه الرؤية. كل منا قصير القامة الروحية. يظن الكثيرون أنهم مع المسيح وهم مع شهواتهم. لا يرون أن هذه عقبات دون التواصل به. كثيرون يقبلون كلمة يسوع مع ما هو ضدها. فهم لا يسلمون له النفس.يريدون رغباتها المؤذية والرب معًا. الجديون في الجهاد الروحي قلة. الإلتصاق بالله يكلف كثيرًا.
عودًا الى النص: “فلما وصل يسوع الى ذلك المكان، رفع طرفه وقال له: “يا زكا انزل على عجل، فيجب عليّ أن أقيم اليوم في بيتك”. زكا تعني المزكى. قد تكون التسمية من لوقا راوي هذه الحادثة ليدل على المعنى الروحي الذي يحمله هذا اللقاء. فالمهم نهاية اللقاء. غير أن المعلم ابتغى أن ينقذ الرجل من الخطيئة. “انزل على عجل” مع أن الجميزة ليست عالية ولا يتطلب تركها وقتًا طويلاً. الا أن المعلّم يريد لقاء عظيما يتطلب كل جهد الإنسان. ترجمة أخرى مألوفة تقول: “ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك”. المعنى واحد في الترجمتين. لماذا ألحّت نفس يسوع عليه ليقول: يجب أو ينبغي أن أقيم عندك؟ المعنى واضح بالتأكيد وهو أني لن أرتاح حتى آتيك بالخلاص. أنا لا أتحمل أن أتركك على خطيئتك. هذه توجعني. لن أدعك ترتاح اليها.
“أن أقيم في بيتك”. سأمكث معك ساعات يحلو لي فيها الحديث عن ملكوت الله. وسأتعشى معك. فسوف يضع أحد تلاميذي على لساني هذا الكلام: “هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، دخلت اليه وتعشيت معه وتعشى معي” (رؤيا 3: 20).
# #
#
وبعد أن أمره أن ينزل على عجل “نزل على عجل وأضافه مسرورًا. فعل كما أمره السيد. لم يبطىء. سرعة الهداية جزء من الهداية. هذه لا تردد فيها ولا مفاوضة في النفس بين طهارة تدعى اليها ونجاسة هي غارقة فيها. ذلك أن الطهارة على الصعيد النفسي جذابة كالخطيئة واذا أنسكبت حقيقة في النفس تعطيها فرحا أعظم من اللذات التي كانت مستحكمة اذ يقول باسكال العظيم: “لا يترك الانسان لذة الا ابتغاء لذة أعظم”. غير أن الغارقين في الخطايا لا يعرفون ذلك ولا يعرفون كيف يتحرك البار ويحسبونه غبيًا. البار وحده يفهم منطق الشرير، والشرير لا يدرك منطق البار. ولا يفهم اذ ليس عند الخاطئ ذكاء الله.
هذا الرجل اضاف يسوع مسرورًا مع أنه يعلم أن المواجهة لن تكون سهلة لكونه يعرف وضعه ويعرف موقف يسوع من الخطيئة. المعلم لطيف بالخطأة وكاره لأعمالهم لا يتشنج أمام الخاطئين لأن التشنج استعلاء ويبعد المرتكب عن التوبة. والبار لا يدين ويخشى الزلة اذ ليس من انسان محصن الا بالدعاء والنعمة التي يستجاب بها الدعاء. النعمة النازلة علينا من فوق هي العصمة ونحن دوما فقراء اليها ولا نعتبر أنفسنا شيئا”.
كما هو منتظر، تذمر الفريسيون لكون يسوع “دخل منزل رجل خاطىء ليبيت عنده”. هم لم يكونوا فقط ضد الخطيئة ولكن ضد الخاطئين، تحت كل سماء وفي هذه الحقبة أو تلك من الزمان كان يقع القمع على هؤلاء. ويخترع بعض المدعوين أبرارًا خطايا ينسبونها الى خصومهم. يتهمون بعضًا بالبدع وليس من بدع ويتهمون كثيرًا من الناس ولا سيما النساء بالزنا وليس من زنا. هناك دائمًا من له غيرة مزعومة على الدين واذا كان الدين قويًا فمن يهدده؟ هل هو زجاج يسقط عند رمية أول حجر؟ هل هو مجهول الى حد أن الناس اذا قرأوا كتابا ضد الإيمان أو يبدو كذلك ينهار ايمانهم؟ هل الدين قسري أو يقوم على الإكراه؟ كل هذه المؤسسات الرقيبة واقعة هي في الخوف وتريد أن يتفشى الخوف. هل العقيدة بلا قناعة هي رسوخ النفس فيها؟ الفريسيون ليسوا فقط حزبًا قديمًا في بلاد اليهود. الفريسية نمط ينمو في النفوس القامعة التي تتخذ الدين قوة لها تفرضه على العوام الضعفاء حتى تسيطر هي لا إلهها.
# #
#
بعد ان دخل السيد هذا البيت قال له زكا: “يا رب، ها إني أعطي الفقراء نصف أموالي، واذا كنت قد ظلمت أحدًا شيئًا. أرده له اربعة أضعاف”. في الشق الأول من الاعتراف: “اعطي الفقراء نصف أموالي” فهم الرجل أن التوبة تعبّر عن نفسها بالعطاء لأنك تتوب ليس فقط لتقيم وحدك في البر ولكنك تتوب لأجل المشاركة. فلعلّهم يعودون الى ربهم اذا كنت عدت اليهم بالحنان. هناك قضية بين الميسور والفقير لا تنتهي فقط بالعطاء. تنتهي عند الميسور بالتواضع أمام المحتاج وبالحنو. العطاء لا يجعلك دائمًا محبوبًا لأنه يحتمل خطر المنة.
والشق الثاني من الاعتراف: “اذا كنت قد ظلمت أحدًا شيئًا…”. هذا لم يكن من باب الإفتراض اذ الواقع المعروف أن العشارين كثيرًا ما كانوا يتقاضون من المكلف أكثر مما فرض عليه فالسلطة كانت تحميهم ولا يحمي أحد الفقراء وكثيرًا ما كانوا يتعاطون الربا. كان عندهم اقتناع بعض أنّ من سرق الدولة ليس بسارق وتبرير ذلك أن الدولة لا تنفق ما هو مطلوب منها بالموازنة ولكن أنّى لها أن تنفق إن سرقها الكثيرون. ولعل هناك اقتناع عند بعض أن من سرق الغني لا يسرق.
أنا لا أخشى السارقين اذا سرقوا ولكني أخشى تزكيتهم لما يرتكبون. هذه هي الخطيئة الكبرى أن تقتنع بالخطيئة.
بعد هذه السماحة الكبرى عند العشار، بعد تحسسه العظيم بما فعل من شر “قال يسوع فيه اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”. فالله لا يرجىء الغفران. فاذا تحرك قلبك الى الله ينزل الله اليه توًا ويتم خلاصك ولا يقيم ربك عليك خطيئة وتحلو في عينيه كما يحلو البار ولا يعلّي الرب البار عليك.
ثم يقول السيد “فهو أيضا ابن ابرهيم”. ليس معناها أنه تحدر من ابرهيم هذا ليس له قيمة. انه ابن ذاك الذي قيل عنه: “آمن ابرهيم بالله فحسب له ايمانه برّا” (رومية 4: 3 وسواها). ثم يتابع المسيح: “لأن ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالك فيخلّصه وفي ترجمة أخرى: “عمن هلك”. لا أحد مكتوب اسمه في سجل هلاك لأن التوبة تمحو كل تسجيل للخطيئة وينتقل اسم هذا الإنسان الى سجل الحياة توًا?
يقّرأ هذا الفصل في الكنيسة الارثوذكسية غدا واذا سمعناه نعرف أن الفصح قد اقترب واننا سنمنح في الصيام وقتًا طويلاً لنعرف محبوبيتنا عند الله ونرد له محبته اليه بارتمائنا على دفء أحضانه.
