أهمية القديس البار انطونيوس أنه منشئ الرهبنة. ليس أنه لم يكن قبله نساك تتلمذ عليهم في مصر. ولكن المعروف أن الرهبنة ظهرت أيضا في الحقبة التاريخية نفسها أي في القرن الثالث في المدى القائم بين غربي حلب وإنطاكية في ما هو معروف بالمدن الدارسة في شمال سوريا. وضع سيرته القديس أثناسيوس الكبير بطريرك الإسكندرية المشهور الذي كان له الفضل في ضم هذه الحركة الناشئة إلى الكنيسة. قلت أن الرهبانية كانت حركة إنجيلية أصرّت على عيش الإنجيل كاملا بعد أن لاحظ انطونيوس شيئا من الفساد يتسرب إلى جماهير المؤمنين.

أراد حياة مسيحية منفَّذة في الصحراء لا زغل فيها ولا مساومة تقتضي تقشفا وضبط نفس ومحاربة للأهواء, ولكنها قائمة على المحبة والطراوة. بعده جاء القديس باخوميوس ثم باسيليوس يؤسسان الحياة المشتركة أيْ جماعاتٍ تحيا معا بقيادة رئيس مرشد تجب له الطاعة. تحوّلت الحماسة الأولى الحرّة إلى نذور وانتشرت في كل الأقطار شرقا وغربا.

اجل لم تخترع الرهبانية الفضائل. هذه كلها في الإنجيل. غير أن الرهبان بيّنوا كيف نكافح الرذائل. درسوها وعرفوا أحابيل الروح الشرير وكيف ننجو من الرذائل. وضعوا قواعد التحرر من الأهواء الضاغطة والتقنية لبلوغ الفضائل والحفاظ عليها. وأخذ المؤمنون عنهم جدية الحرب الروحية وجدية العيش مع يسوع. من هذا القبيل صار المثال الرهباني مثالا لكل الأرثوذكسيين ليس بمعنى أنه يجب أن ينقطع الأفضلون عن الحياة الزوجية, ولكن بمعنى أننا مرتبطون جميعا بروح الفقر والعفة والطاعة  أكنّا  عائشين في الدنيا أم منقطعين في الأديرة.

إلى جانب هذا الأساس قام الرهبان بعمل جليل جدا وهو أنهم هم الذين نظموا العبادات ووضعوا أسسها وتنظيمها. كل ما نمارسه من صلاة الجماعة (الساعات, السَحَر, الغروب, الكتب الطقسية) رتبوه وجعلوا له هيكليات. القداس الإلهي وحده أساسه أقدم من الرهبانية. ولكن الذين أعطوه ترتيبه الأخير وأهمهم عندنا يوحنا الذهبي الفم و باسيليوس كانوا من الرهبان.

مع هذا كله وضعوا تراثا في الأدب النسكي عظيم (ذوروثيوس الغزّاوي, يوحنا السلَّمي, اسحق السرياني) إن ذكرنا فقط الأكبرين, تراثا  نغتذي منه لإصلاح النفس في سيئاتها وتجاربها. جوهره مفيد لكل الناس.

كذلك أسهم بعض منهم مثل يوحنا الدمشقي و صفرونيوس (كلاهما من دمشق) و مكسيموس المعترف بكتابة اللاهوت الصرف بحيث أمكن القول أن ما من حقل معرفيّ في الكنيسة لم يُسهم به الرهبان.

غير أن الحياة الروحية امتداد في حياة الناس. وهذا ظاهر بنوع خاص في روسيا والغرب حيث كل النشاط الثقافي كان يظهر في الأديرة ويمتد إلى الخارج. الصناعات والزراعة في روسيا نشأت في الأديرة. أنت تنصرف إلى وجه الله وتنتظر مجيء المسيح الثاني. هذا لا يفصلك عن العلمانيين ولكن يذهب بك إليهم لدعمهم في المحبة وحياتهم الاقتصادية.

ليس المجال هنا لتعداد النشاطات الكبرى التي قام بها الرهبان في بلادنا. خصوصيتنا نحن في الكرسي الانطاكي أنه كان لنا رهبنة تبشّر, تخرج إلى العالم. كانت الرهبانية الإنطاكية حية إلى القرن الثامن عشر ثم انطفأت عند الرجال حتى أعادها الله إلينا في مطالع الخمسينيات (دون أن تنقطع عند النساء في الأبرشية البطريركية في صيدنايا ومعلولا). عادت اليوم إلى دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي ودير السيدة في بلمّانا (أبرشية اللاذقية) وفي جبل لبنان. في هذه الأبرشية عندنا  اليوم خمسون راهبا وراهبة في كل أديرتنا (سيدة حماطورة, سيدة النورية, سيدة كفتون, مار ميخائيل بقعاتا, دير القديس جاورجيوس في قرية دير الحرف, دير القديس يوحنا ودير القديس سلوان في دوما ) تقوم كلها على النمط القديم.

باتت كل هذه الأديرة يقصدها المؤمنون للصلاة والتزود بالإرشاد. ولها منشورات نسكية ولاهوتية تسهم في بنياننا جميعا. كل هذا بدأ مع هذا الرجل العظيم انطونيوس.