المعاجم القديمة لا تفيدنا هنا لأنها تعرف العهر بالفجور اطلاقًا. ولكن في اصطلاحنا الحديث قد لا يكون له أي معنى جنسي. غير اننا نسمي المرأة الفاجرة عاهرًا إذا باعت جسدها ومن هنا ان كل قبض مال لإضعاف الإرادة أو الموقف أو املائه يصح تسميته عهرًا عند المعطي والمعطى اليه. المال ليس بالضرورة العنصر الحاسم ولو غلب. كل ما ليس علاقة شخصية ووجدانية وما ليس التزاما من القلب عهر.
على هذه الصورة العلاقة الزوجية إذا كان المال عنصرًا ضاغطًا فيها تفسد ولا تبقى طاهرة. سلطة الأبوين على أولادهما إذا انتزعت موقفًا من الأهل بسبب من المال لا تظل سليمة. ما من طهر حيث لا قناعة. وإذا دعم المال قناعة أو شبه قناعة يكون عنصر غير شخصي قد عرض القناعة لما ليس من جوهرها. لا شيء يبرر انتقال المال من شخص الى آخر الا العمل أو الإحسان. ما عدا ذلك شراء موقف أو شراء عاطفة. «كل ما ليس من الإيمان فهو خطيئة» (رومية 14: 22) / والإيمان بتوسيع معناه هو حركة القلب الآتية من الله، من الحقيقة، من الضمير.
الكنيسة عرفت ذلك قديما وقررت ان تخرج من عضويتها أي من التمس منصباْ فيها بناء على اغرائه أسقفًا أو اية سلطة طمعًا بمسؤولية في الكنيسة وهذا ما عرف شرقًا وغربًا بالسيمونية إذا أول من حاول هذا في العصر الرسولي سيمون الساحر وشجبه بطرس.
ان نظام الرشوة كان قانونيًا في الامبراطورية العثمانية فتشرى من سلطتها ولاية بيروت مثلاً وذلك بخلاف ما اصطلحت عليه الأمم الغربية. ولكن ما من شك في ان الرشوة معروفة في كل مكان. الفرق بينهم وبيننا انهم يقاضون الراشي والمرتشي اذ يعتبرون ذلك اعتداء على الوطن أو على الدولة التي هي عندهم دعامة للوطن.
في الرشوة التي ترتكب في الانتخابات عند المرشح أو ممول اللائحة خطيئة أعظم من الرشوة انه يحتقر انسانية القابل للارتشاء فيغريه ولا يقيم معه علاقة انسانية مبنية على الاقتناع. يحتقره اذ يطوعه لشهوة تكون هي سبب قراره. ويزيد هذا حقارة اعتقاد المرشح أو الممول ان ليس عنده من قوة الاقتناع بقضيته ما يجعله يستعمل المال لاستلاب موقف عند المواطن. هنا يصبح المرشح والناخب كلاهما سلعة اذ يفقد الطابع الإنساني المحض الذي يجب ان يملي وحده علينا التحرك الوطني.
غير ان الحزن الأكبر يأتي من قول المرتشي: هذا المرشح وذاك سواسية. كلاهما سيئ أو قريب من السيئ ولكوني لا أرى فضل واحد على آخر استفيد ببعض دريهمات لإطعام أولادي. قد يكشف هذا قلة دراية بالوضع السياسي أو قلة اطلاع على اخلاق المرشحين. وكان على المرشح ان يتخذ وقته لإعلان برنامج ويتصل بالناس ويدنيهم من الفهم ويقربهم من الخيار الصالح ويرفع من شأنهم وتاليًا من شأنه ويقدر بذا أهمية النيابة وشرفها وقوته على الخدمة.
لا ينفع ان نقوم بأدبياتنا السياسية ضد سلطة المال فحسب. السلطة هي في حقيقتها على من استعملها ومن تقبلها. يجب ان يتنقى كل منا ليكسر هذه السلطة بالرفض. نحن اذَّا امام اغراءين: اولهما اغراء المال وثانيهما اغراء الجهل الكامل لقدسية البلد. هؤلاء الذين يشتكون من إهمال أهل السياسة لهم لماذا لا يفهمون السياسيين الذين يعزون أنفسهم عن إهمالهم بقولهم: ان هؤلاء الجهلة سوف نشتريهم في الوقت المناسب وسوف نعوض لأنفسنا ما خسرناه بطريقة أو بأخرى. والكلام المعسول الذي يقولونه لا يوظف في حلبة المتصارعين ولكنه نافع في مجالات أخرى، في الصحافة مثلاً. الكلام يوظف المال وينفع على طريقته لكن المهم ان يلقي المواطن ورقته في صندوق الاقتراع ليأتي من كتب له ان يأتي. وإذا أتى فسوف يأتي ايضًا مع تحالفات جديدة.
أجل هناك المؤهل الى ان تحبه وتقدره ولكن ما فاعلية هذه القلة، ما قدرتها على التغيير؟ هل كل جمهور المرتشين طالبو تغيير؟
يذهلك ان هذا الجمهور فيه متعلمون. في شبابي كان منهم اساتذة جامعات. يذهلك اذًا ان هؤلاء ما كانوا انقياء وما كانوا يعرفون معنى الوطن وقدسيته. هناك تأكيد سمعته دائما: «كل واحد إلو سعرو». هذا يصح في الكثيرين على ما يبدو ومعنى ذلك اننا شعب إلهنا المال ومن كان هذا إلهه انسان قلق جدًا على غده وان كل كلماته الدينية: ان شاء الله، اتكل على الله كلمات كاذبة لا يعنيها ولا يطيعها لأن طمأنينته فقط الى هذه الورقة الخضراء التي أخذنا منذ بضع سنوات نتعامل واياها.
في هذا السياق خطر الهدية ولا سيما إذا كنت مسؤولاً اذ كثيرًا ما أخفت رغبة اليك يعبر عنها في حينه ولكنها تكمن وراء الهدية. وإذا لم تكن مسؤولاً وأتتك الهدية من صديق تكون خطرة أحيانًا لأنها تضعف المقاومة. وكثيرًا ما تضمنت المساومة ومبادلة مصالح أو انتظار منفعة. مثل ذلك إذا تذمرت منك زوجتك يقضي واجبك ان تفاتحها في الأمر وان تسترضيها بالكلمة الحلوة ان كانت صادقة وتحاول ان تحسن سلوكك وتهذب طبائعك. لكنك تشتري لها فستانا أخاذًا من باريس. تبطل تذمرها الى حين وتبقى على كراهيتك وتظهر ما يرضيك وقتًا لا يطول. الفستان رشوة.
لا يصلح قبول الهدية الا إذا كنت متأكدًا من انك لا تضعف بسببها في المستقبل. لا يصلح قبول الهدية الا إذا كنت مرتاحًا الى صداقة المهدي وحسن نيته. أما الهدية التي يراد بها الشكر لمسؤول في اية ادارة فهي تفسد المهدى اليه الذي قام بواجبه وعليه ان يكتفي بمعاشه.
كنت منذ ستين سنة ونيف أدرس الحقوق الإدارية على استاذ فرنسي. قال لنا مرة: القمار مخالف للأخلاق. انتظرته بعد انتهاء الحصة وسألته: لماذا تعتبر القمار ضد الأخلاق؟ ألا يمكن ان ننظر اليه على انه عقد بين لاعب ولاعب؟ أجابني: لا يعطى المال الا مقابل عمل أو لإحسان.
هذا المال الذي تشتري به صوتًا انت سالبه الفقراء وإذا أعطوك هذا الصوت، تسلبهم ضمائرهم. أما إذا احبوك وأحسوا انك، نائبًا، ستكون في خدمتهم، فلا شيء لي عليك. الا ان ضميرك لا يزكي إذا حسبت انك تجمع لك زبائن يوم الاقتراع. أعرف ان القضية دقيقة. ولكن ما أقوله جزمًا انك، محسنًا، لا تنتظر ما يقابل احسانك في هذه الدنيا. انت تحب فتعطي لأنك وكيل على ملك الله وليس لك من رزق تملكه. هو بين يديك تستعمله لخير من كان في حاجة اليه كائنا ما كان سبب وصول هذا المال اليك. المال دائما فيه جانب ظلم. ربما سرقه مورثوك. ربما كان قذرًا في مرحلة من مراحل سيره اليك. له قدرة على استعبادك ما دام بين يديك. فان أردت ان تصير حرًا يجب ان يذهب عنك. أنت غني الروح ان بددته. انت، عند ذاك، فقير الى الله. الشيء الرئيس في كل حياتنا الروحية ألا نستكبر، ألا نشعر ان لنا أهمية بسبب ما حصلناه من متاع الدنيا أو جمالاتها.
أنت لا يجملك الا هذا المحتاج الذي ترفق به وتضمه الى صدر الله وتحس انك بت في حاجة الى دعائه. هذا أحترمه احترامًا كليًا لأنه هو دربك الى الملكوت. أعطه بتواضع كلي وكأنك مستغفر. أما كل الذين تعاملهم بغطرسة الثراء أو تطوعهم لمواقفك أو تسخرهم لمناصبك تكون قد عاهرتهم وقد يبقون هم أعفاء.
هذا هو أوان الرضاء أي أوان تلك الطهارة تلك التي «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار». لا بد ان ترتكب بعض من خطايا أو تكون قد ارتكبت في لبنان في فترات فقرنا والاستكبار. والطاهرون قليل. قد لا يشفى بلدنا من عهر فيه مستفحل وقد لا ينزل على نفوس كثيرة الهدوء ولكن علينا ان نشهد حتى مجيء المسيح في اليوم الآخر.
قبل ذلك السياسة عربدة حتى يجيء اليها من يبشر بأنها ان لم تصر كلمة الله فهي باطلة. معضلتنا ليست سياسية ولا حلها في السياسة. معضلتنا ان الله غائب عن هذه الأمة أو صار هو عندها نسيا منسيًا. متى يصبح الحكم عندنا مكان تسبيح؟ «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة» الحكم الفاسد والبلد المعطل عقله بالخطيئة. الحكم يأتي ثمرة لإرادة التطهر أو يكون ملهاة. من ينقذنا من اغراء المال وتسلطه والسياسة القائمة عليه؟ هل ينزل الله علينا مائدة من السماء؟ هل نصبح بشرًا سويًا في بلد سوي؟
