لم يتكلم يسوع عن الطفل باعتباره في العائلة. أصلاً لم يقل السيد كلمة عن العائلة ولا بولس قال ما تعدّى عناية الأهل بأولادهم. على انه وضع رؤية صوفية عن الزوج البشري وعن علاقة الزوجين الى ان تكون صورة عن محبة المسيح للكنيسة الا انه حذّر من الإنتماء القبلي الى العائلة ووحّدنا بما سماه بولس في ما بعد عائلة الله. لكن المعلّم خصص شخصًا واحدًا في فكره وهو الطفل.
غير أن السيد لم يبد اهتمامًا للحياة المجتمعية للطفل في الحديث المباشر عن تربيته ليس لأن المسيحية ديانة «روحانية» كما يتهمها بعض ويلمحون بذا الى انها ناقصة ولكن لأن الأسس تهمّ المسيح فاذا وضعها فكأنه يضع العمارة كلّها.
الواضح لمن يتتبع النصوص التأسيسية ان الطفل في قيمته يأتي من يسوع وإن تجاهلته أجيال كثيرة في بلدان كثيرة لماذا كان يجب أن يؤدب الطفل بصورة عنيفة على توالي القرون لنصل منذ سنوات معدودات فقط الى حقوق الطفل؟ بماذا كان ينبغي ان نكافح عمالة الأطفال وأمية الأطفال ولم يدخل هذا في عقول البشر منذ أقدم العصور؟ لماذا لم يفهم الأهل أن للطفل لغة ومعاملة الا حديثًا؟ لماذا كان لا بد أن يعيش الأطفال في عزلة وان يتعامل معهم الكبار في المراهقة فقط؟ هذا هو سر البلادة العقلية الذي لازم القسم الراقي من البشرية طويلا ويلازم حتى اليوم الجزء الفقير والمقهور منها.
الطفل عالم بحد نفسه ويجب أن تفهمه انت في مرحلية سيره الى بلوغه ورشده. وأظن أن الفضل في عالم التربية الحديثة القائم على علم النفس كشف لنا فرادة الطفل وشخصيته وسره وكيف نسطيع ان نتنازل ليظهر على مواهبه فتعطيه ما وهبت ويعطيك ما وهُب. ولعل هذا اكتشاف لنا جديد بالنسبة الى أجيال قريبة منا كانت تعتقد ان الكمال هو في الكهولة. فأهمل الطفل اذ ظن انه فقط مشروع رجل أو امرأة وانه عندنموّه نعامله عقليًا. فمن المؤكد طبعًا ان أجيالاً كثيرة عبرت ولا تعرف شيئًا عن هذا الوجود الضخم الذي يسبق العقل العاقل الواضح. كان ينظر الى الطفل كأنه حي ينمو جسديًا بانتظار تفتق العقل فيه. كانوا ينظرون الى الطفل على انه يتلقّى واذا خاطبوه فمن عليائهم الى ان يصل الى هذه العلياء بالعقل. كان عالم الطفولة مجهولاً الا من حيث حاجته الى طعام وشراب وكساء ونظافة. كيان بيولوجي غامض التركيب يستخدم الطب لإنمائه وشيء من الغنج لمسرة البالغين.
# # #
الذين هم للناصري سلكوا وكأنهم لم يفهموا شيئًا عن قيمة الطفل في عينيه. انها، في الحقيقة، لا تقدّر بثمن. الطفل كان محتقرًا في اسرائيل القديم. لا يتعاطى غير التعليم من لم يبلغ الثلاثين. العمر، قبل هذه السن، يكتنفه الغموض. عند سؤال التلاميذ المعلّم: «من تراه الأكبر في ملكوت السموات» يدعو طفلاً على طريقته التربوية ويقيمه في الوسط قائلا: «الحق أقول لكم: ان لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السموات» (متى 18: 3) وكيف يعود الانسان مثل الأطفال. يجيب هو عن السؤال الذي طرحه: «فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات». هو طبعا لم يقل من صار طفلاً ولكن قال: مثل هذا الطفل لأنه لا يريد قصرًا عقليًا أو قلة نمو سيكولوجي اذ النضج من شروط من يستمع الى الكلمة جيدًا. ان كلام المعلم مركز بوضوح على قوله: «من وضع نفسه». ذلك لأن الطفل لا يعرف نفسه عظيمًا. لا يريد المعلم منا عفوية دائمًا وكلامًا غير معقول أو غير متزن ككلمات الصغار ولكنه يريد نفسًا كنفس الأطفال أي ما كان يظن، عند ذاك، أنه براءة. ما من شك في أن الطفل يكذب. الطفل بريء لأنه لا يعرف انه يكذب لكونه يعيش في عالم تصورات تحجب عنه الحقيقة. الطفل غير ساذج ويحوك عالمًا من الحكايات يظنها حقيقة. فلكونه لا يفرّق بين الصدق والكذب يحيا خارج الواقع. لكونه لا يعرف يحسب على انه خارج الهوة القائمة بين الصدق والكذب.
يسوع لا يريدنا ان نتشبّه بالأطفال من حيث انهم لا تمييز عندهم بين الخير والشر ولكنه يدعونا الى ان نصير مثل الأطفال من حيث انهم في بساطة لهم حقيقية لا يعتبرون أنفسهم شيئًا (فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل). اذًا، انت بالغًا مدعو لا الى ان تصير ساذجا كالطفل لأن الحكمة هبة الهيّة ولكنك مدعو الى بساطة القلب ونقاوته وبهما تتجاوز رؤية نفسك شيئا. قول السيد هو «فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل» –ولم يقل وصار طفلاً- فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات.
في هذا المنحى يقول السيد: «من قبل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي، فإياي يقبل». أجل يريدنا الرب أن نعلي شأن الطفل في حضارة تحتقره أو في مجتمع قد يحتقره. يريدنا أن نكتشف الطفل ومعمودية الاطفال كانت من هذا القبيل. ويريدنا ان نتعلّم من الطفل بساطته لأن كذبه ليس كذبًا.
في تلك الحضارة اليهودية والعالمية آنذاك حيث كان الطفل محتقرًا قال يسوع: «ومن قبل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي فاياي يقبل». يسوع يجعل نفسه مثل الأصغرين الذين لم يبلغوا النضج العقلي. ان تقبلهم على انهم أحبة الله، أن ترفع شأنهم كالكبار. أن تحترم طفولتهم هو ان تقبل المسيح بالذات.الى هذا «من عرّض أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي للخطيئة، فأولى به أن تُعلّق الرحى في عنقه ويلقى في لجّة البحر» بعد قليل يعمم يسوع حكمه ويندد بكل من عرّض غيره للخطيئة أي بكل من أعثر الآخر. ويهم يسوع أولا الاّ تعثر هؤلاء الصغار لأنك قد تدفعهم الى المعصية باكرًا ويقعون في أعماقها لأنهم تعلموها وهم صغار.
ذروة الكلام ألاّ تخطىء أمام الأطفال والاولاد ولا مع أحد أو امام أحد لأنك قادر بسوء تصرّفك على أن تزج ناسًا في جهنّم. طبعًا قد تؤثر خطيئة «صغيرة» تأثيرًا كبيرًا. هذا يدعونا الى مراقبة شديدة لسلوكنا. في الحقيقة لست مسؤولاً الا اذا كان عملك سيئًا أو مؤذيًا بحدّ نفسه.
هذا كلّه يدعو الأهل الى رقابة شديدة على كلامهم وسلوكهم وما يشاهدون على الشاشة في حضور أولادهم. المزاح الثقيل وحديث النميمة وسبّ الآخرين وشتمهم، كل هذا يخرّب ضمائر الصغار تخريبًا. الذين تعرف أنهم ليسوا خفيفي الروح ولا يميزون بين الجد والمزح جديًا يصطدمون عند المزاح.
التقوى تقوم على الارتباط بينك وبين الآخرين. لذلك ينبغي أن يأتي كلامك ذهبًا تصلح به القلوب. أي سلوك تسلكه بقسوة، بجفاف يمكن أن يؤذي من يراك. أنت مسؤول عن أخيك لئلا يموت روحيّا وقد يموت. أخوك من قلبك ومن روحك. احفظه بطهارتك.
