الطفل شعر، اذ الشعر كلمات خصوصية لا تقال بشكل آخر، حسب تعبير بول فاليري. وللطفل تصورات من عالم يختلف عن العالم الذي نظن نحن البالغين اننا نعرفه، اذ الوليد الصغير فيه اشياء كثيرة تتكون من داخله ونحن نأتي من الخارج كما علّمنا ارسطو الى ان يلتحم في الصغير الداخل والخارج في سر ليس لنا اشراف على كنهه.

بسبب من ذلك نعيش مع الطفل في غربة الى ان يجعلنا نتدرج الى فهمه ويتدرج الى فهمنا ولا يتم لقاؤنا متى شئنا ذلك.

هو يصور عالمه لانه لا يأخذه فقط مثلنا من الحواس. وكثيرا ما كان لنا في اللقاء حدس بحيث اننا نحيد عن العقل الصرف لنصل الى نفس الوليد. والأم في موقع افضل لان الحدس في ما يتعلق بابنها اقوى مما هو فينا وهي معه في مخاطبة لا نقدر عليها ولكننا نتوق الى هذا اللامفهوم لنكمل به عقولنا تواصلا للاجيال لكن الوصل يبقى مقطوعا زمنا يطول او يقصر حسب مواهبنا ومواهب الصغير.

مع ذلك هناك اطفال يرشدون قبل الوقت المتوقع ونسميهم فائقي المواهب. هذا لا يعني ان هذا الموهوب صغير بالغ مع ان هذا يبدو مرات كذلك. مرة قال لي احد الناس اريد ان تعرف ابنتي التي لها من العمر ثماني سنوات. جاءت وجالستها وحدها فطرحت عليها اسئلة بالعلوم الطبيعية واسئلة بالفلك والفكر المجرد (سموها فلسفة اذا شئتم) واجابت عنها جميعا ولم افهم حتى اليوم كيف جمعت هذه العلوم بتلك الثقافة.

واذهلني غير مرة مكرم غسان تويني وبصورة واضحة لمّا كان في الحادية عشرة من عمره ودار حديثنا على شكسبير وكنت قد نسيت الكثير منه اذ كنت قد قرأته في آخر الثانوية وغابت عن فكري تفاصيل منه. كيف تكون هذه الاشياء؟ كيف ننمو؟ لماذا يعطى هذا ما لا لا يعطى ذاك؟ هل من اشياء مودعة عند هذا وغير مودعة عند ذاك؟ نحن امام هذه الظواهر في دهشة واذا كان الطفل شعرا فمن الطبيعي ان تكون امامه في دهشة كما انت مع الشعر.

أنا أفهم الا يقول قولي او كل قولي ذوو الاولاد الصغار لكونهم منهمكين بامور اطعامهم والباسهم ونظافتهم الى ما ذلك. والمعاشرة اليومية، الرتيبة تبطل الدهشة. الخطر في غيابها الكامل الا نلمس عطايا الله في الكائن البشري في كل احواله. الخوف اذا غاب الانسان عنك في طور من اطوار نموه ان تغيب تجليات الله في خلقه. وكل مرحلة من مراحل الوجود البشري كتاب مستقل عن الكتاب الذي يليه وما سبقه. لذلك كانت رؤية الطفولة التماسا لجانب من جوانب الحضرة الالهية. سر التلاقي بين الله والانسان لا يكتمل عند قراءتنا نحن البالغين لله. ولهذا نحتاج الى الصحوة الدائمة في تأمل المخلوق العاقل صغيرا كان ام كبيرا. هذا هو الكتاب الحي الذي عليك ان تتروض على مطالعته.

هناك توازن دقيق بين قوة العقل وقوة الحدس، بين الفكر والشعور. هذه كلها تلتقي بموازين في هذه السن او تلك او في ملكاتنا تطغى الواحدة على الاخرى في الاشخاص المختلفين. وما قلته عن الطفل اقوله عن الراشد. فلماذا الذكاء لامع عند هذا ومتوسط عند ذاك؟ ولماذا القلب كبير هنا وجاف هناك؟ ليس عندي من جواب عن هذه الاسئلة في نطاق المنطق. كل ما عندي ان اشكر لله الالتماع او عدمه لان الرب اب لجميع الناس اكانوا اغنياء ام فقراء في اي جانب من جوانب شخصيتهم اذ الفرق كان في المحبة فقط والبسيط العقل او هزيله قد يكون اعظم حبا من كبار المثقفين.

الاطفال ايضا قادرون على الحب الكبير ولك انت ان تنميه بما امكنك ولعل هذا باب المحبة الواسع. هو باب الانفتاح على كل شيء ومنه الانفتاح على العقل. في الطفل يمكنك معرفة التماس بين العقل والقلب. كل هذا مرتبط بسر الهي غير قابل للاختراق.

والاهم م كل ذلك ان نرى علاقة الطفل بالله. هو ككل انسان في عناية الله ورأفته ومحبته. والله يعمده اذا اتخذنا المصطلح المسيحي اي يضمه اليه والى كلمته وروحه. وكائنة ما كانت ديانة الاهل فالطفل محضون الله ككل ابن آدم. وهناك انضمام الى الخالق عبر عنه المسيح بقوله: “دعوا الاولاد يأتون الي ولا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء ملكوت السموات” (متى 19: 14). المعنى الواضح ان ثمة حركة من الاولاد الى الله. كيان الولد مشدود الى الكيان الالهي. ذلك ان الانسان مخلوق على صورة الله واذا كان الله هو المثال يفترض هذا الكلام ان ثمة رباطا بين الصورة والمثال، وان الانسان كبيرا كان ام صغيرا، هو في حركة الى الله ولو لم يفهم الولد هذه الحركة التي فيه.

ما من شك في ان المؤمنين يربون اولادهم على وجود الرب وعلى انعطافه عليهم ويلقنونهم معلومات من الكتب الموحاة ويقصون عليهم القصص الديني الذي تحتويه هذه الكتب ويربونهم على العبادات وتلاوة الصلوات، وقلب الطفل وعقله يلتقطان شيئا من هذه المعرفة فينمو الولد بحكمة ويستوعب على قدر ما يستطيع وينشد ما يمكنه ان ينشده ويتطبع بما يقدر ان يتطبع به في صلاة الجماعة ويدنو من الخالق ضمن ملكاته البشرية فلا يبقى مجرد كائن طبيعي بل يتدرج الى ان يصبح كائنا روحانيا على عمق ما نعرفه نحن.

ولهذا يعطى ما نسميه في المسيحية اسرار المدخل الثلاثة وهي العماد والميرون (المسحة المقدسة) ومناولة جسد المسيح وهذه كانت عند البالغين المتنصرين قديما درجات الانضمام الى الكنيسة اذ لا يولد الانسان مسيحيا بل يصير مسيحيا. وفي ما ينمو يفهم ما حل به في الطفولة ويتقبل الايمان فيكمل.

وعندما يقول السيد: “لمثل هؤلاء ملكوت السموات” فكأنه يقول: “ان لم تصبحوا كالاطفال بالطهارة لا ترثون ملكوت الله. يتخذ الطفل نموذجا هو نموذج من حيث قلبه لا من حيث عقله. فالعقل يستوعب القلب كما العقل يتقبل نقاوة القلب فيكمل ولو لم يكتمل الانسان الهيا في هذه الارض.

المسيرة طويلة وفيما انت تعيش تعظم الالوهة فيك ولو لم تفهم كل شيء منها ولكنك تسير اليها واذا حن الله عليك تسير فيها. ليست القضية قضية نضج عقلي ولكنها قضية قلب. واللاهوتي المتفقه بالعلوم الدينية ليس بالضرورة اعظم من غير المتفقه لكن المتنقي اكبر من الذي يتعلق بخطاياه. هذا لا يرى الله هنا او يراه بمقدار ما تحل عليه النعمة وتطهره.

نحن مدعوون من هذه الوجهة الى ان نصير كالاطفال وهذا سر عظيم يكشفه الله لنا بحكمته وعلى قدر طاعتنا لهذه الحكمة. الطفل صورة لما يجب ان نصيره حتى نلقى وجه الله يوما بعد يوم قبل ان نشاهد وجهه في الاخير.