لماذا لم تأمر الحكومة الجيش بصد العدو؟ أنا أفهم إن هذه هي وظيفته ما لم تعتبره الدولة حصراً قوة أمنية للداخل. أو قد يعني هذا إن الحكومة فوّضت إلى حزب الله وحده أن يدافع عن البلد. إذ ليس من تنسيق بين جيش غير فاعل ومقاومة فاعلة. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً بعد وقف إطلاق النار عن مكان الجيش في بلدنا. هذا يعني أيضاً أن شعبنا معرّض للإبادة. ثم لم تقل الدولة إنها إذا انتزعت من المقاومة سلاحاً في أي ظرف تسلمه إلى جيش فاعل. إذ ذاك نتحول مجتمعاً أهلياً غير معسكر، جميلاً منسجما مع إسرائيل وعربها في هذه الكتلة الاميركو – شرق أوسطية.
هذا يعني ليس فقط نزع السلاح عن المقاومة ولكن نزعه الفعلي عن كل العرب لتبقى إسرائيل الدولة المعسكرة وحدها في هذا الشرق الجديد. بأي معنى هو جديد؟ ويكون لبنان ديموقراطية نموذجية بحيث تقدم للعرب صورة عن ديموقراطية وهمية إذ العرب غير مهتمين – كما عبّروا هم غير مرة – على أنهم لا يريدون ديموقراطية على النظام الغربي وتالياً غير راغبين في أن يقتدوا بديموقراطية لبنان الوهمية.
أرادت القيادة الإسرائيلية أن يرجع لبنان عشرين سنة إلى الوراء. لست أناقش هذا الرقم فقد يكون أعظم. بلدنا أمسى ذا مساحات كبرى مهدمة ومحروقة. فإلى أين يعود النازحون إذا قالت لهم المدارس التي لجأوا إليها إني احتاج إلى قاعات صفوفي لأستوعب فيها طلابي أواخر أيلول أو بداءة تشرين الأول؟ اذا كان عندك مليون نازح لا تستطيع أن ترميهم في الشارع. أو تبعثهم إلى ركام القرى المهدمة.
وعندما تشترط أميركا تعليق وقف النار على نزع الأسلحة من المقاومة فكأنها تقول فليمت مَن تريد إسرائيل قتله متى شاءت إذ لم يبقَ من يدافع عنه.
أين رأيتم بلداً ليس فيه من يدافع عنه؟ فإذا قرر مجلس الأمن أن إسرائيل لا يحق لها الاستمرار في العدوان فليس ما يضمن أنها مستعدة للانصياع لهذا القرار وهي لم تنصع لقرار واحد ونفّذت المقاومة وحدها – لا الجيش – القرار الـ425 فانسحبت إسرائيل من أراضينا. والعالم كله يغنج إسرائيل بذريعة أن ثمة قوة إرهابية تدافع عن لبنان. هل هيئة الأمم المتحدة راغبة أو قادرة على أن تردع إسرائيل؟ من قال إن هذه القوة فاعلة أو قادرة على أن تردع حزب الله إذا أطلق سلاحه من وراء القوة الدولية الرادعة؟ لم تقل أميركا حتى الآن أنها تربط نزع السلاح من حزب الله بتحرير مزارع شبعا. عند ذاك، وعند ذاك فقط، لن يبقى لحزب الله حجة لحفظ سلاحه. لأنه اكتفى بتحرير لبنان لا فلسطين. وليس معقولاً أن تتغير المعطيات إلى حد أن تجتمع قوى العرب والعجم جميعاً لضرب إسرائيل.
• • •
كل هذا يعني أن يفكّر اللبنانيون منذ الآن في شكل دولتهم وقوتها وإمكانها الدفاع عن نفسها إذا هوجمت مرة ثانية. لا شيء يضمن أن إسرائيل تنوي أن تصير دولة مسالمة ولم تبرهن عن هذا كلما سنحت لها الفرصة للانقضاض على العرب ولا سيما أن كل ايديولوجيتها تدعوها إلى أن تكون مهددة لهم كما تدعوها – إذا لم تعتد – ألا تكون راغبة في التعاون وإياهم تعاوناً أخوياً صادقاً. فإذا كانت حتى الآن لم تسلم بخريطة الطريق ولم تقبل بنشوء دولة فلسطينية لماذا تريدون أن تقبل باستقلال لبنان وسيادته؟ ومن قال إنها راضية حقاً عن هذا وهي ترى لبنان منافساً لها وهو الذي يوحّد بين أطيافه و”شعوبه” وهي لم تستطع حتى الآن أن تعتبر عرب إسرائيل مساوين لليهود ومئة حالة عندي تبين أنها تفرّق بين اليهودي والفلسطيني في أراضيها. وهي متمسّكة بهذا التفريق لعلمها الديموغرافي ان فلسطينييها يتكاثرون.
وهل من سياسة أميركية واضحة لتحمل الدولة العبرية على ألا تكون جسماً هجيناً في هذا العالم العربي؟ هذا يفترض أن الدولة التي تسمي نفسها دولة يهودية راغبة في أن تعيش بالمساواة مع العنصر العربي وان تنزع عنها الصهيونية désionisation لتصير حقاً دولة يتساوى فيها اليهودي المتديّن والأصولي واليهودي غير الأصولي وكذلك اليهودي المشرقي الأصل واليهودي الغربي الأصل والسفرديم والاشكيناز. إسرائيل تفتش عن وجود لها يؤمن لها السيطرة الدائمة والمعسكرة على العرب جميعاً.
أما لهذا الليل من آخر؟ وهل يعقل أن يقبل المسلمون أنفسهم مغلوبين أبداً وهم لا يرتضون سيادة أحد عليهم إلى الأبد؟ وفي هذا الذل الذي يذوقونه أليس المعقول أن يستعدوا لتمرد لهم في المستقبل مهما طال الزمن؟ ماذا يهيئ اليهود لاحتمال انتفاضة إسلامية عليهم؟ هل يتكلون أبداً على الولايات المتحدة لتقمع المسلمين في عنفوانهم وهم لا يرضون أنفسهم أذلّة في الأرض؟ من قال أن الولايات المتحدة الأميركية دولة تحافظ على أحديتها في هذا العالم؟ من يمنع المسلمين من أن يرتموا في أحضان الصين وهي ناهضة بسرعة مذهلة؟ إسرائيل لا تقدر على أن تتكل على نفسها إلى الأبد وهي لا تستطيع أن تعيش على اقتصادياتها وحدها اليوم فكيف إذا ضعفت اقتصاديات أميركا في السنين المقبلة؟
ثم ليس من أمل في المستقبل القريب ان يصبح بلداً حيادياً لأن الحياد بالمعنى القانوني للكلمة يعني قبول سوريا وإسرائيل به معاً. إذا تعبت إسرائيل من حروبها على لبنان لا يبدو معقولاً أن تقبل سوريا العروبية بحياد لنا نحافظ فيه على ثقافتنا العربية وشعورنا العربي. غير أن الحياد لا يعني ألا نكون على قوة عسكرية معقولة. فسويسرا دولة حيادية لكن شعبها معسكر مستعد دائماً للحرب إذا هوجم. هل ذهنية اللبنانيين المتحمّسين قليلاً والنائمين كثيراً تؤهلهم لان يكونوا في بيوتهم جنوداً محافظين فيها على سلاحهم وغير قاتلين به أحدا أي أن يكونوا كلهم أمة جنود في الطاقة تستنفرهم دولتهم ويلبونها. وهذا يعني ان يكون لهم فهم واحد لدور لبنان ولقدرته على التصدي لأية دولة تدعوها شهوتها إلى الاعتداء عليه؟
بعد وقف النار لا بد لنا أن نفكّر معاً في ميثاق جديد نحفظ فيه أنفسنا وندافع عنها ونبني وطناً موحداً غير منقسم ولو اختلفنا في التفاصيل ضمن الحرية والديموقراطية الصحيحة؟ هل نعلن اليوم أمام الله والتاريخ أننا نريد بلداً وإننا لا نستجدي أحداً ويعزينا الكبار الآن بالممرات الآمنة ينقلون عليها طعاماً وشراباً ودواء وهم قادرون على منفعة لنا أكبر أي إيقاف النار. نحن ما اعتدينا ونستحق أكثر من الخبز الذي لا يحيا منه وحده الإنسان.
• • •
أجل نحتاج إلى كرم كبير لنسند المشردين وإعادتهم إلى بلداتهم وقراهم. فالدولة وحدها عاجزة عن ذلك. والدول الكبرى لن تشفق علينا بلا مراعاة مصالحها. شكراً لها على كل حال. نحن نحتاج إلى فلسفة جديدة لوجودنا كوطن ودولة وهذا يتضمن تجاوز الطائفية سياسية كانت أم فكرية. نحن أخذنا على أنفسنا أن نكون أمة مجتمعة واحدة. ولكنا لن نبيع لبنان بسبب من الخوف أو من قلة الموارد. أقنعتنا العهود المتتالية أننا بلد فقير وهذا حسب التنقيبات العلميّة غير صحيح. لكن هذا التجديد يتطلّب إعمال الفكر وتنقية لأخلاق لنا تدهورت في السنين الأخيرة تدهوراً مريعاً. “إنما الأمم الأخلاق” ولم نقتنع جميعا بذلك.
لا ينفع البكاء ولا التحسّر. العمل القائم على طبيعة جديدة حسنة قولاً وبناء وإبداعاً هو الذي يؤهلنا لدور كبير في مجتمع مشرقي جديد نحفظ فيه استقلالنا وميزاتنا فلا نكون فريسة لعولمة هوجاء شرسة ولو تبنينا عقلية تكنولوجية في صناعات كبرى أو صغرى نسد بمواردها ما نحتاج إليه لنحافظ على بلد نؤمن بفرادته وعطائه.
هذا يعني فور انتهاء العدوان أن نتجمع روحانيين ومثقفين، عمالا وتجاراً ومزارعين، لنفكر في مستقبل لنا مشرق في براغماتية مباركة من غير أن نهمل المبادئ الإنسانية التي أرسينا وجودنا عليها ولا نبقى فريسة سياسات ضيقة تافهة. ما عسى تكون سياسة البلد ككل مجتمع مؤمن بمواهب الله والعقل لأننا مللنا الموت والحريق والدمار لنرجو لأنفسنا وأولادنا قيامة مجيدة.
