تعلمون أنّ ما يُسمّى المَثَل في الانجيل قصة تعليميّة ألّفها يسوع لينقل تعليمه بالصورة، بالحكاية فيفهم من يحب أن يفهم ويرذل تعليمه أعداؤه.
هنا عندنا قصة غني يلبس الأرجوان الذي تنتجه فينيقية والبز اي الحرير ويتنعّم ككل الأغنياء كل يوم تنعما فاخرًا. فالمال هو للّذة والسلطة على الناس والمجد الباطل. مقابل هذا الغني فقير اسمه لعازر وهو مختصر إليعازر، والكلمة في العبريّة تعني الله أزري او عوني. اسمٌ أطلقه يسوع على هذا الفقير الذي جعل الرب عونا له. وهذا المتسوّل كان مطروحًا عند باب الغني، ولكن هذا لم يشأ ان يراه.
في بلادنا كنت أسمع بعض أصحاب البيوت اذا قرع محتاج باب بيتهم يقولون:”الله يبعت لك” وهي عبارة مهذّبة تعني: لست أريد ان اعطيك شيئًا. لفظة الله هنا مستعارة للدلالة على البخل.
“مات المسكين” فنقلته الملائكة الى أحضان ابراهيم. “ومات الغني أىضًا فدُفن”.. لفظة ملائكة هنا تدل على أن الرب استقبل هذا الفقير في الفردوس وكانوا يدلّون على هذا بعبارة “احضان ابراهيم” الذي يقول الكتاب انه اوّل من آمن بالإله الواحد. الله يعنى بالفقراء وبخلاصهم. واما عن الغني فلم يقل لوقا ان الملائكة نقلته الى أحضان ابراهيم، ولكن قيل فقط انه دُفن.
المعروف أن المثل لا يؤخذ بجزئىاته، بتفاصيله. يصور يسوع هول الخطيئة وفظاعتها فيقول عن الغني انه معذّب في اللهيب ويقول انه في الجحيم. هذا الكلام لا يتضمّن تعليمًا لاهوتيًّا عن وضع النفوس بعد الموت. فالكنيسة الارثوذكسيّة لا تعلّم أنّ النفس تذهب الى النار بعد الموت او الى السعادة الكاملة. هذا ما سوف يكون بعد القيامة. وليس في الإنجيل تعليم كامل الوضوح عن حالة الأرواح بعد الموت، ونكتفي بالقول إن من عانى من خطايا قاسية، رهيبة فصلته عن الرب ينتظر الديان العادل الذي يدينه بعد القيامة، وانتظار الدينونة فيه شيء من العذاب. كذلك من انتظر فرح القيامة لكون نفسه غير مثقلة بالخطايا الجسيمة فهو على شيء من السعادة. ولكن لا نقول شيئًا أكثر من هذا.
المثل كله -على كثرة الكلام- عن حالة نفوس الأشرار ونفوس الأبرار ليست غايته كشف تعليم لاهوتي عن هذا الموضوع. انه بالدرجة الأولى يحتوي تعليمًا عن الرحمة وعن صعوبة الخلاص للذين يتنعّمون بهذه الدنيا وعن ان المساكين الذين رجوا الله في هذا العالم على شقائهم إنما الله يحبّهم ويحتضنهم في الدهر الآتي لأنهم كانوا دائما في حضنه. ما كان هنا يبقى هناك. أأنت مع المسيح في هذه الدنيا، تنتقل اليه في الدنيا الأخرى. أأنت عدوه هنا، تبقى عدوه هناك لأن نفسك هي اياها. ولا يحوّلك الموت من إنسان شرير الى إنسان صالح.
الدعوة في هذا المثل هي التنبّه الى ما في ملذات الدنيا من أخطار والى أن نجد لذّتنا في المسيح. المنبهر بالمال والسلطة والجسد الآخر وما يحيط بهذا الجسد من أزياء وافتخار على الآخرين والتباهي بالجمال والوسامة، كذلك المنبهر بذكائه وعلمه والمنتفخ بفهمه، هذا وذاك قد استغنيـا عن المسـيح. ومـَن أهـمله ربـّه هنا يبقى مهملا اياه هناك. واذا لم تعرف مسيحك هنا تظهر أمامه بعد الموت قبيحا. ليس هو الذي يبعدك عن نفسه. انت تكون نفيت نفسك عن وجهه وليس لك في ذلك عذر لأن المفروض انك سمعت الكلمة التي نزلت عليك بالإنجيل ولمستها بعباداتنا ولكن لم تصغِ الى الإنجيل ولا الى صلواتنا فكنت في الصحراء ومصحرا وليس لك موضع لترث الله.
