الكثيرون من لاهوتيي الغرب مسحورون باليهودية واليهود. كبير في الأحبار سمّاهم «الإخوة الأبكار». ويعتبرون العهد القديم لا يزال يشرعنهم على انهم شعب الله، مع ان آباءنا قالوا جميعا ان الكنيسة هي اسرائيل الجديد، وان العهد الشرعي بات الآن بين الله والكنيسة بدم يسوع.
هذا الخط قائم تسعين سنة تحديدا، ولكنه غدا اكثر وضوحا بعد مجزرة اليهود على عهد هتلر في الحرب العالمية الثانية، فأخذت هذه المجزرة تعقّد المسيحيين الغربيين مع ان رجلا واحدا اقترفها. والمسيحية الغربية بنصوص لها واضحة شجبت التفريق العُنصُري كما شجبت ذبح هؤلاء اليهود. كيف تستطيع حادثة، ولو على هذه الفظاعة التي لا توصف، تستطيع ان تُحدث انحرافا في اللاهوت الغربي عمّا ورثناه عن آبائنا القديسين، ونحن نعلم ان المواقف اللاهوتية مبنية على كلمة الله وحدها لا على حادثة من حوادث الزمان.
من مظاهر هذا الميل إلى اليهودية ما جاء في وثيقة من مجمع الفاتيكان الثاني في اواسط الستينات جاء فيها ان «ما ارتُكب اثناء آلام المخلّص لا يمكن ان يُنسب إلى كل اليهود العائشين آنذاك ولا الى يهود عصرنا». ردُّنا على هذا ان الإنجيل لم يكن في وارد تبرئة فئة من ناحية القانون الجزائي، وما كان موقفه موقف محقق عدليّ، ولما قال اليهود: «دمه علينا وعلى اولادنا»، كانوا واعين ان أُمّة اليهود هي التي تقتل السيد وتكلم باسمها قيافا، وعندما كان الأنبياء يؤثّمون اسرائيل كان اسرائيل عندهم آثما وما كانوا يهتمون لهذا الفرد أو ذاك. إلى جانب اليهود، كل البشرية مذنبة الى المسيح ولا تتبرأ بوثيقة مجمعية ولكن بتوبتها اليه واقتبالها المعمودية. لا يستطيع احد نيابة عن السيد ان يعطي احدا من الناس إفادة بحُسْن سلوك.
يضاف إلى هذا ان المؤرخ اليهودي الفرنسيJules Isaac حاور خلال سنوات البابا بيوس الثاني عشر ليُقنعه بتلطيف علاقة الكنيسة الكاثوليكية باليهود، وأمست المسيحية الغربية في حالة ندم لما فعلته باليهود في القرون الوسطى، والندامة واجبها، ولكنها قتلت كثيرا من المسلمين في إسبانيا والمسيحيين في الغرب والمسيحيين الارثوذكس اثناء الحملات الصليبية على الشرق حتى اعتذر عن كل ذلك البابا الحالي مؤخرا، ولكن ما سيطر على المسيحية الغربية كثيرا هو الاعتذار من اليهود.
هذا اذا لم اتكلم على السينما حيث تجد رموزا يهودية، واذا لم اتكلم على مشاهد عارضات الأزياء وهنّ نصف عاريات ويعلّقن احيانا صلبانا كبيرة على أعناقهن للدلالة على ان العراء انما يختص بالمسيحيات.
إلى هذا برنامج كبير في محطة arte الفرنسية-الألمانية يدعى Corpus Christi اي جسد المسيح، دعي اليه قسس كاثوليك وانجيليون وربانيون (حاخامون) ولاسيما من الجامعة العبرية، وفيه باسم علم التاريخ تشويه للأناجيل ودحض لكل موقف التراث المسيحي المتعلق بالمخلّص. وفي هذا البرنامج تأويلات مبنية على افتراضات، وتركيز على «إخوة يسوع» المعروف عند آبائنا انهم أنسباء له، ولفظة أخ باللغة العبرية تشمل ابن العم وابن الخال او الخالة، وذلك للتشكيك ببتولية مريم.
ويقدَّم الآن برنامج من المحطة نفسها عن نشأة المسيحية، الغاية منه تبيان ان تبشير يسوع انما هو حركة يهودية، وان مسيحية يسوع يمكن اعتبارها فرقة من الفرق اليهودية حتى جاء بولس وأسس هو (لا المسيح) المسيحية التي نحن نعرفها. وهنا ايضا بعض المتكلمين علماء من الجامعة العبرية في القدس.
لهذا شطبت الكنيسة اللاتينية من طقوس الأسبوع المقدس جُمَلاً تتّهم اليهود بأنهم هم الذين قتلوا المسيح. وأخذ الفكر الغربي يقول ان الرومان لا اليهود مسؤولون عن قتل السيد مع انهم هم الذين حاكوا الموآمرة وهم الذين اتّهموه بالتجديف وساقوه الى بيلاطس البنطي الوالي وهم الذين قالوا: اصلبه، اصلبه.
ويشدد الغربيون تشديدا كبيرا على اصول المسيح اليهودية في الجسد. غير ان بولس يقول: «اننا لا نعرف الآن المسيح حسب الجسد بل حسب الروح». وما يهمّنا على الأكثر انه كلمة الله المتجسد الذي يفوق كل عِرْق وجنس. نحن نعرفه مخلّص العالم، وأتى اليه المؤمنون به من بين اليهود ومن الأمم، واكثر المسيحيين من اصل وثني ولا علاقة لهم بشريعة موسى التي حرّرَنا منها مجمع الرسل الذي انعقد في اورشليم. متى يهتدي إخوتنا في الغرب إلى المسيح كما رآه آباؤنا المشترَكون قبل هذه الموجة الضالة!
