من محبة الكنيسة الأرثوذكسية للصيام والاستعداد له كأنه موسم ننتظره بفرح جعلت لنا اسبوعا يسبقه ندخل فيه جزئيا بالإمساك اذ نمتنع عن اللحم محافظين على البياض. هذا هو اول يوم من هذا الأسبوع يسمى مرفع اللحم اذ في اليوم الذي يليه نرفع اللحم عن الموائد.
غير ان الكنيسة لا تريدنا ان نركز على الأطعمة تركيزا رئيسيا رفعتنا إلى الفضائل في فصل إنجيلي مركز على الفضائل الا وهو إنجيل الدينونة حسب رواية متى. يبدأ الكلام هكذا: “متى جاء ابن البشر في مجده”. نحن اذًا مأخوذون من الصوم الذي يبدو فترة تعب إلى آخر التاريخ، إلى المجد الذي سيسطع عند المجيء الثاني للرب. ولا يدخل احد إلى مجد يسوع الا بالدينونة التي تعلنه نقيا او تعلنه قذرا قد احب قذارته في هذا العالم.
تحضر الناس إلى السيد الديان. اجل يسوع محب، لطيف، حنون، ان محبته هي التي تدين. فأنت تقبلتها في دنياك او رفضتها. اقتبالك لها في هذا الدهر يضمك اليها في اليوم الأخير، ورفضك لها هنا يستمر رفضا لها هناك. اي ان أعمالك التي كانت مع الرب في تجانس تلقيك عليه، والتي كانت معه في نفور تبعدك عنه. الله عادل وليس عنده محاباة للوجوه. انت ترتفع إلى السماء لأنك كنت في هذا العالم تسعى اليها. وانت تُستبعد من السماء لأنك اردت ان تبقى بعيدا. لا يخترع لك يسوع سماء ما كانت فيك ولا جحيما ما كانت فيك.
ما القول الذي سيقال للخراف اي للذين كانوا من حظيرة المسيح؟ يقال لهم انهم مبارَكون وان المُلك أُعِدّ لهم. ثم يقول: “كنت جائعا فأطعمتوني وعطشت فسقيتموني الخ…”. عنى السيد بهذا القول انه بعد صعوده إلى السماء ترك لنفسه صورا عنه. انهم هم الذين احبوا بقية الناس فعليا، في الحياة اليومية وأحبوهم في الاوضاع التي كانوا فيها. فاذا لقيت جائعا لا تقرأ له كتابا او تقله معك في سيارتك ليتنزه. تعطيه رغيفا. انت معه في حاجته. واذا زرت مريضا لا تعطيه خبزا فإنه لا يحتاج اليه. تعطيه عزاء وحرارة المشاركة.
غير ان الكتاب يقول اكثر من هذا. فعندما يقول السيد: “كنت جائعا فأطعمتوني” يوحد نفسه مع الجائع، يدمجه بنفسه. فالجائع والعطشان والسجين والمريض إخوة يسوع. واذا كنت اليهم تكون إليه.
بعض الوعاظ يقولون ان يسوع لا يسألنا عن الصلاة اذا صليناها. الجواب ان صلاتك انما ثمرتها العمل الصالح. هو لا ينطلق منك الا اذا كنت متحدا مع يسوع يوميا واذا دعوت اسمه. انه تكلم على الصلاة في مواضع اخرى من الإنجيل. في الدينونة التركيز على الآخر. لقاؤك اياه هو امتحان صدقك في المحبة، وذلك كله ينطلق من قول المعلم: “احبوا بعضكم بعضا كما انا احببتكم”.
اما الخطأة فيقول لهم: “اني جعت فلم تطعموني وعطشت فلم تسقوني…”. هم يردون: “متى رأيناك جائعا او عطشان الخ…”. وجوابه القاطع لهم: “بما انكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. الخطيئة التي ينسبها اليهم خطيئة الغفلة. انتم اهملتم الآخرين. هذه هي اساءة كبرى انكم لم تكونوا، بسبب الإغفال، إخوة لإخوتكم. انه لم ينسب اليهم افعالا سيئة ارتكبوها. ينسب اليهم افعالا لم يقوموا بها. الآخَر موجود وخطئيتك انك لم تره ولم تره في ظرفه. فقد تتحدث بصورة جذابة إلى جائع او تناقش معه سبب جوعه قائلا مثلا لماذا لم يكن عمل تقتات منه في حين انه يحتاج إلى رغيف. الظرف الذي يكون فيه الآخر أمر مهم جدا. تدخل انت في وضع الآخَر. هكذا يحس انك تكون معه فيصبح هو ايضا معك وتصبحان كلاكما في المسيح.
عندئذ فقط ترفع الدينونة عنك. انت تدخل في حركة الصيام لكي تحب، لكي تشارك الفقراء والحزانى، لكي تفهم حاجاتهم لأنك تصبح صائما كالفقير ولا تنس ان يسوع كان فقيرا. الصيام إمساك من اجل الحب.
