آسف ان أُذكّر بما لا ينبغي ان يُنسى. في اللاهوت الأرثوذكسي، الأبرشية هي الكنيسة المحلية، ورئيسها المطران، وهو يرئس تاليا كل الرعايا. الكاهن مندوب المطران في الرعية، والمذبح مذبح المطران، وينتدب لخدمته من يشاء من الكهنة. فهو مسؤول عن هذا الأمر حسب وجدانه وحكمته. للمؤمنين ان يناقشوا بعد التنفيذ، ويعود رئيس الكهنة أيضا إلى حكمته في صفاء ومحبة. العلاقة العضوية الكنسية هي بين المؤمن والأسقف في جماعة الإخوة. ما من شك ان بين الكاهن وأبناء رعيته علاقة أبوة وعاطفة جميلة. ولكن راعي الرعاة المحليين هو الذي أقامهم. فالبنوة في الدرجة الأولى هي للأسقف، وهي بنوة مباشرة بالروح القدس. هذا ما نفهمه من القانون الكنسي المبني على اللاهوت الأرثوذكسي وفهمنا للكنيسة.

          لهذا لا يطلب كاهن ولاية لنفسه على رعية معينة، ولا يلح علماني ان يدخل الكهنوت. قد يبدي رغبة في ذلك ولكن «لا يأخذ احد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله» (عبرانيين 5: 4). ذلك ان الكهنوت يعاش في الكنيسة وليس رغبة فردية تفرض نفسها. ففي الطاعة نتبرر وبها نتقدس. والمعروف في الدنيا ان «طالب الولاية لا يوَلّى».

          الأمر الثاني ان الرعية ليس لها استقلال مالي عن المطرانية. فالمعروف في القانون الكنسي ان الأسقف ولي الأوقاف، ومن أقامه الأسقف على الأوقاف محليا هو مندوبه أو وكيله. فلا يبقى على الوقف طوال حياته مهما كانت انجازاته عظيمة. فإن قانون البطريركية الأساسي أراد تداول المسؤولية بين الأجيال وان يتروض المؤمنون جميعا على الخدمة. واما ان يقول من أقيموا على الأوقاف ان من جاء بعدهم ليس عنده الكفاءة فيدخلنا في مناقشات لا حد لها وليس رئيس الكهنة كامل العلم بكل المؤمنين في أية قرية. وخبرة الإدارة المحلية للوقف هي التي تُظهر بعد فترة الصالح وغير الصالح. واما ان نقف في وجه من عيّنتهم المطرانية لأنهم لا يروقوننا او لاحتقارنا لمواهبهم فهذا يدخلنا في متاهات لا تنتهي.

          وفي هذا السياق ليس لمجلس حق تقريري. والأسقف يترك للمجلس حق التقرير أو يقيده أو ينقض المطران أي قرار يتخذه مجلس الرعية. هذا دوره استشاري وينظم الأمور العادية وينفق في حدود الموازنة التي تقرها المطرانية ولا ينشئ بناء جديدا أو ترميما ولا يقوم بإنفاق كبير الا بعد استشارة الرئيس الروحي. فراتب الكاهن مثلا يحدده المطران إذا شاء ويترك أمره للمجلس إذا شاء لأن هذا متعلق بالرعاية وتقدير الأسقف راتب الكاهن والشماس.

          المال ليس مال أحد. انه ملك الله. فالمجلس يفحص الأوضاع ويبدي رأيه فيها ويدرس وجوه الإنفاق ويوضع هذا كله في الموازنة. وإقرار المطران للموازنة -كما هو وارد في القانون عندنا- هو الدليل الأكبر على ان المجلس يتقدم باقتراحات ولا يتخذ قرارات نهائية.

          واما ادعاء البعض انهم أحرار بالمال الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم فالواقع في هذه الأبرشية ان بعض القرى فيها وقف وأكثرها ليس عندها وقف وتعيش على تبرعات المؤمنين. والأمر الثاني ان الآباء والأجداد عندما وقفوا من أرزاقهم قد حرموا منها الورثة ملكا وحرموهم منها إدارةً. وما صار وقفا ليس ملكا للمؤمنين في القرية ولكنه ملك الرب ومسجل -بسبب من السلطات المدنية- وقفا على هذه القرية أو تلك، وهو لمنفعة الكهنة والفقراء في تلك المحلة، وهذا ما تنقيد به، ولكنه ليس في إدارة هذه القرية أو تلك. المؤمنون مجتمعين في رعية معينة ليس لهم ولاية على ما وقف الآباء. الولاية محصورة بشخص واحد يراقبه البطريرك والمجمع المقدس ويشكى إلى البطريرك والمجمع في حال سوء التصرف. وما يحد من سلطة الأسقف انه لا يستطيع ان يشتري وان يبيع الا بقرار من المجمع المقدس ممثلا بالسيد البطريرك. فلا خوف قانونيا من تبديد الأوقاف.

          الآفة الكبرى هي التفرد ومن مظاهره ان بعضا من الناس -والحمد لله انهم باتوا قلة- يضعون الأموال في المصارف باسمهم الشخصي ليحجبوها عن المراقبة وإذا ماتوا -لا سمح الله فجأة- فليس لنا قدرة على استعادة الأموال للوقف. ليس مثل تطبيق القانون يخلصنا من مثل هذا التفرد.

          أمورنا تسير بثقة الأبناء بأبيهم الروحي. والثقة تقويهم روحيا وتكشف انهم أبناء.