لبنان الأبيض كما يعني اسمه في اللغات الشرقية يلبسونه السواد لتتغيّر حقيقته. من يضع المتفجّرات؟ انه مرجع واحد لا ريب في ذلك وليس مرجحا ان نعرفه واذا كان هاما لن نبوح باسمه ولا سيما ان التحقيق سري وبين التحقيق والمحاكمات يمضي وقت طويل. والوتيرة التي تمت فيها التفجيرات الأخيرة تنبئ بأن ثمة خطة موضوعة لمعاقبة هذا البلد وإضعافه ليسكت ولدفع ابنائه الى الهجرة. شيء ما يزعج بعضا في وجود هذا البلد وفي تمتّعه بالحرية وتلاقي أطيافه على السلام. ولن يعرف ذوونا القتلة. هذه حرقة في النفوس يريدها المجرمون لأن من شأنها زرع الخوف وإشاعة الفقر وشل الحركة الاقتصادية وتاليا اليأس من محاولات الوفاق الوطني الذي نبتغيه وربما أمل الفتنة بين الكتل السياسية المتخاصمة او بين طوائف.

                     هذا يذكّرني بالكتاب العظيم الذي وضعه السفير الصديق عادل اسماعيل عن الوثائق الدبلوماسية التي كانت تصدر لقناصل الدول منذ بضعة قرون الى عواصم بلادهم وقد أثبت المؤلف ان اهل البلد لم يزرعوا الفتنة مرة فيما بينهم وان الأجانب كانوا دوما يضعونها. لست أعلم اذا تغيّر المشهد الآن ولكن عندنا على الأقل التأكيد الجازم الا تقوم فتنة بين الشيعة والسنة والقناعة على ان المسيحيين لن يباشروا بالقتال بعد ان ضعفت شكيمتهم في حروب متتالية وانهم مصممون على ملازمة لبنان وفيه يجدون فرحهم.

                     الشدة الكبرى عند كل لبناني انه غير محفوظ وانه مرشح للموت في كل حين. لذلك صار يغلق محله باكرا ويلغي أحيانا سهراته ليحل محل ذلك القلق الدائم على نفسه وعلى اولاده بما يحمل ذلك من هزات نفسية وتمزقات داخلية تقود الى الاتهامات وضعف الثقة بعودة السلام. الناس باتوا كلهم على المحك وعلى اننا مسيّرون بقدر أعمى وأخطر ما فيه عدم الفهم وعدم المعنى لضعف الايمان بالانفراج.

                     انه لمن الصعوبات الكبرى ان تحس ان بلدك مستهدف وانك انت شخصيا معرض للموت وكذلك أولادك. السؤال المرعب الذي سمعته الأسبوع الماضي في برنامج «كلام الناس» هو سؤال نسيبة ضابط ذبحه واحد من »فتح الإسلام« لماذا قتل نسيبي؟ كيف تعالج غشاوة على القلب وضعها مجرم مأجورا كان ام غير مأجور؟ هل يعرف هذا المرتكب قيمة الرباط العائلي عند قتيله؟ هل تنسحب الانسانية من الإنسان الى هذا الحد؟ هذه كلها اسئلة تقلقني وأحاول ضبط نفسي وكبت دموعي.

                     أظن ان المجرمين في هذه الأحوال عندهم قدر من علم النفس ويعلمون نتائج ما يفعلون ويبتغون اكل البلد بالتفتيت والتشرذم عله لا تقوم له قائمة. وهذا يسليهم حتى يأخذهم الطوفان هم ايضا. هذا هو انتقام الله.

#            #

#

                     يبدو اليوم ان ثمة حلولا سياسية في الآفاق او تمهيدا لحلول. ليس في الحياة السياسية ما يمكن تأكيده. لكن اذا سرنا الى شيء من الهدوء السياسي لا بد ان يترجم هذا هدأة امنية. الناس تعبوا أصلا من التخاصم بكل ألوانه ولكن اذا سرنا الى بعض من سلام نرجو ان يلقى شعبنا شيئا من الرجاء وألّا يخنقه يأس من مصير البلد ليلازمه ويجد راحة لنفسه. والله معطي الرجاء ولا بد ان يقوي ضعاف النفوس فيحسوا انهم غير متروكين وان الرحمة تأخذنا والدفء يعود الى عائلات بذهاب الخوف.

                     مررنا بتجارب كثيرة وبآلام رهيبة وأحسسنا ان كل رياح الأرض تذهب بنا وما فهمنا لماذا نحن موضع غضب او موضع بغض. هل الله معاقبنا ام ان الاشرار المنتشرين في الأرض هم المعاقبون. أفهم ان ترتجف القلوب ولكن شيئا لا يؤذي الإنسان مثل الخوف. »نجّنا يا الله من الدماء، يا إله الخلاص«. نجّنا من غرق البلد وتحطيمه البطيء والمبرمج. نحن نشتهي فقط ان ينطوي الشر، ان تعود الأفاعي الى أوكارها. نرجو الا ينكسر قلب ولا عظم والا تسيل قطرة دم وألا تدمع عين حتى نهنأ قليلا قبل ان نموت بهذا البلد الطيب السمح وبالأحبة اذا نجوا.

                     نرجو ألا تبقى بيروت «تبكي بكاء في الليل… أعداؤها مطمئنون… اسمع اني أتنهّد فليس من يعزيني» (مراثي ارمياء). بعد هذا النحيب الفاجع يقول النبي: «مراحم الرب لم تنتهِ لأن رأفته لا تزول… ثم يقول: «قالت نفسي: الرب نصيبي فلذلك أرجوه». الرب صالح للذين ينتظرونه». تنزه المراثي عن النبذ الإلهي ولكن صاحبها يتوجع في المرثاة الرابعة ويقول: «الأطفال طلبوا خبزا ولم يكن من يكسره لهم حتى قال ما يشبه حالتنا في لبنان: «كلّت عيوننا من ترقب نصرة باطلة». اما نحن فلنا نصرة هنا وثمة وارجو ان يتعاطى الزعماء السياسيون بلا ذل. الغرباء يعرفون ان البلد يشرف على الهاوية ولكن الغريب لا يستطيع ان يكون مدبرا لنا في غياب وحدتنا وتناقض الخيارات.

                     وينهي ارميا مرثاته الرابعة فيقول: «أنت يا رب ثابت للأبد وعرشك من جيل الى جيل ويبقى في الرجاء».

                     شيوخنا والكهول على عادتهم الموروثة في هذا البلد المؤمن يقيمون على الرجاء. نرجو ان يأتي اليه شبابنا التشبث بالأرض. لو لم يكن للبنان رسالة لما قلت لأحد هذا. فالتراب والزهر والشجر والحجر في كل مكان ولك ان تجوب الأرض حرا. ولكني اعتقد ان لنا في اجتماعنا دعوة الى سلام كل الشعوب والى تنوع المواهب فيها وتلاقي المواهب. ربما كان لكل طائفة خصوصية قائمة على بعض المزايا وتجمع الخصوصيات يصنع لبنان.

                     غير ان الرجاء الى الله يلقي علينا مسؤولية الصبر اذا طال العذاب والصبر ليس استكانة بسبب من هزيمة. فقد اوضح المفهوم بولس: «بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء» (رومية ٤:١٥) وبعد هذا توا يتكلّم على إله الصبر. انه اذًآ لفضيلة نازلة علينا من فوق وليس بمجرد جهد بشري. وعندما تنزل الهبة يعضدنا الرب لنكمل النفس بكل عمل صالح. ان الصابرين على هذا النحو هم  الذين يشددون الأمة حتى لا نقع جميعا.

                     فاذا رأيت فاجعة حريق ودمار على الشاشة فادعُ دعاءً حارًا من اجل الضحايا وذويهم وامنع عن نفسك الحزن الشديد لأنه يدمر النفس ولو كان لك بعض من الحسرات. ربما استطعت ان تحلل سياسيا ولكن يزداد التحليل صعوبة وهو يتطلّب مراسا طويلا وقد دنا المراس من الاختصاص.

                     اجعل نفسك في حالة الهدوء العلوي لئلا تنهار مع الضعاف واعلم ان صبرك يقوي ايمانك اذ تعترف فيه بقدرة الله على إنقاذ لبنان والشعوب الفقيرة المضطهدة. في الحقيقة لكل شعب وجعه ونصلي من اجل السلام فيها جميعا لأن في هذا خير الانسانية كلها. ربما عززت آلامنا منذ ثلاثين سنة تعلقنا بالوطن. هذا التعلّق الشديد هو الذي يبعد الأعداء ويجعلهم يعقلون على اننا لا نؤتي أحدا أذية اولا لأن ليس عندنا وسائل الأذى وثانيا لأننا على أخطائنا الكثيرة لا نعرف الكراهية.

                     ان رغبتنا الحقيقية، شعبا واحدا، ان نسالم حسب طاقتنا جميع الناس. نصبر في الضيق عسى الله يلهم مضايقينا ليتوبوا فيرتفعوا في حضرة ربهم. ونبقى غير غاضبين. ويساعدنا على هذا قرارنا ان نلازم السلام والطهارة ونظل حارين في الروح، عابدين الرب، نبارك ولا نلعن حتى يفهم الغبي ويرعوي.

                     أظن ان جميع الفرقاء عندنا تعبوا وانهم يسعون الى كلمة سواء على أمل ان يسود العقل ويطمئن الواحد الى الآخر بسبب من ثقة نرجو ان تستعاد لنفهم للمرة الأخيرة اننا في حاجة بعضنا الى بعض واننا نتوق ان نصير جماعة واحدة بالغفران والمحبة.

                     لقد حان وقت اليقظة. اذ ذاك نسلك بلياقة كما في النهار. ارجو ان يكون الليل قد تناهى كما يقول الكتاب وتقارب النهار. دعائي ان نصير جميعا أبناء النهار بقوة واحدة وان نرى الجمالات الروحية عند الاخرين لنتمكن من رسم لوحة واحدة للوطن فنقبل خصائص الغير ومواهبه والعظام في حياة الروح متقاربة مواهبهم.

                     اذ ذاك تقوى لغة القلب على لغة السياسة المتفذلكة ونسلك تلك السياسة التي عرّفها أرسطو على أنها تدبير المدينة الواحدة من قبل الأحرار. رجائي الا يكون بيننا عبيد لهؤلاء عند أبي الفلسفة اليونانية لا يحق لهم ان يشتركوا في الحكم. الحر حر حتى ينسجم مع الحر الآخر ليرتفعا معا الى قدسية السياسة الكبرى التي هي في نهاية محبة نازلة من عند ربك.