إذا عبرنا هذا الزمان الحزين سياسيًا بسلام يبقى على كل منا ان يمتحن قلبه ليرى إذا بقي شيء من أثر الله فيه.وهذا يفترض ان ينزل اللبنانيون من سطح الوجود الى الأعمق. ما ليس عندي فيه شك ان الانسان ليس مستعدًا لتغيير قلبه لأنه يحب ما يظهر، ما يبهر. يجب ان يقال عنه دائما حسنًا أي انه يعيش في رأي الناس فيه ولا يهمه كثيرًا رأي الله فيه. لا يبحث كثيرًا عن الحقيقة التي تشفيه. يرجئ بعضهم الذهاب الى الطبيب خوفًا من اكتشاف مرض مريع. ولعل فلسفة اللبناني الطاغية هي «تسوية أوضاع». هذه كلمة رسمية في ادارة الدولة تنم عن الوجه الذي نريد ان تكون العلاقات عليه بيننا. من العبارات التي اسمعها في عملي: «يا سيدنا، ها الشغلة ما الها دبّار». وكأن ثمة رفضًا فينا لكون الحقيقة تشفي أو الصدق يشفي أو المواجهة من أجل جلاء الأمور التي تنقذ.

أجل، نرجو إصلاحات في الدولة تنشئ فينا سلوكًا جديدًا معها ويحلو لي ان أعتقد ان عندنا في المجتمع المدني مؤسسات خيرية أو فنية وأدبية تسهم في تربيتنا الجماعية. يعزيك كثيرًا الرقي الذي تراه طابعًا هذا المكان أو ذاك من العمل الانساني ما يدل على ان في القلوب رحمة وأنك إذا اخذتنا شريحة شريحة نبدو أحيانًا على كثير من البهاء.

غير اننا أمام سؤال ملح: هل نحن راغبون في تكوين انسان لبناني واحد يشارك الآخر في القيم الأساسية التي تؤلف البلد وتجدده فتصنعه. ايضاحًا للسؤال تشاهد الاوروبي مثلا متعلقاْ بقيمة الحرية واحترام الآخر والتعاون الاجتماعي والتمسك بالتطور الدائم في اكتساب العلوم والتقنيات. وقد يختلف دينيًا عن الآخر أو لا يكون على دين ولكنه تبنى القيم التي يقوم عليها مجتمعه أمن المسيحية جاء إلهاما أم من عصر الأنوار أم من كليهما.

قد نواجه مشكلة كبيرة إذا ألغينا الطائفية السياسية اذ لا بد ان تقترن اللاطائفية بفلسفة ما. ان تغييرًا ضخمًا كهذا سوف يضطرنا الى رؤية جديدة للمجتمع والعلاقة بين الجماعات. هل الأرضية الفكرية لهذا التغيير السياسي تكون العلمانية بالمعنى الذي تعرفه أوروبا ولا سيما منها فرنسا، أم لن يعني هذا شيئا سوى تنظيم آخر للوضع السياسي؟

نعيش في وحدة تركيبة سياسية وإذا تكلمنا على وحدة وطنية نشير الى نوع من الانسجام بين شرائحنا المختلفة تقل فيها التشنجات الحاملة بذار التفسخ الوطني. غير ان الوحدة الوطنية تقوم في نصوص دستورية عندنا منذ 1926 على اننا امة لبنانية أضفنا اليها في الدستور الأخير، بلا توضيح كبير، الانتماء العربي. أي أننا في المصطلح السياسي قبلنا ان نكون دولة – أمة Etat – nation. وهذا لا يمس اعتقاد القائلين بأننا نؤلف مع العرب الآخرين امة. فلما اعتبرنا لبنان وطنا نهائيًا أقررنا – بمعنى من المعاني – اننا أمة لبنانية. هذا أكثر من مصطلح قانوني.

هناك غير دولة مثل بلجيكا وسويسرا مؤلفة من غير امة ومن غير لغة وأوضاعها أعظم تعقيدًا من وضعنا اذ لنا لغة واحدة ولا تفرق بيننا أعراق وقبائل كما في العراق. وانا أنفي نفيًا قاطعًا تعدد الثقافة لأن الثقافة هي اللغة. والثقافة العربية الواحدة منفتحة وليس عندنا تاليًا من كان على حضارة غربية وحضارة شرقية. هذه تسميات لا معنى لها اليوم بعدما أقبل اللبنانيون على اللغات وتساووا بالتعليم الجامعي وانتهجوا في طرق العيش والحياة العامة والمؤسسات نهجًا واحدًا.

وعندنا جميعًا موقف نقدي من الغرب ولو كنا من صميمه حضارة. ولا نختلف في ذا عن كثير من المفكرين الاوروبيين والأميركيين في انتقاد الصراعات الغربية، ولعل الفكر الاوروبي أشد انتقادًا منا لكثير من مظاهر العيش الاوروبي. ان اللبنانيين الذين عندهم شيء من تذوق ما يجري في العالم ولهم مسحة من الروحانية لا يتبنون الغرب في هذا المظهر أو ذاك من سلوكياته. وفي هذا يستوي المسيحيون والمسلمون عندنا.

ولكي نجيء حقًا من الأعماق نحن في حاجة الى نهضة روحية وفكرية في المجتمعين المسيحي والاسلامي بعدما بدونا متفقين على ما يسميه المتحررون من علماء الاسلام في لبنان المجتمع المدني. غير ان هذا يحتاج الى تفصيل الأمور ليس فقط على صعيد التنظيم ولكن على صعيد القناعات الروحية التي تمس الرقي الوجداني والحرية وما يؤول الى ديموقراطية حق في البلد. فلا بد من قراءة متجددة للإسلام والمسيحية على أساس الأصول من جهة وعلى رجاء مستقبل مشرق.

قد تكون كل ملة من الملتين على حدة أو في الحوار في حاجة الى ارساء القواعد الخلقية التي تمس الحياة العامة وارتقاء الإنسان الى كامل انسانيته. ولست هناك معطيًا دروسًا لمن كان على غير ديني الاّ اذا تكاثرت حلقات الحوار في تطلعنا الى إناسة (انتروبولوجيا) اسلامية وإناسة مسيحية وثيقتي الاتصال بالمعاصرة ولست أقول بالحداثة حتى لا نقع في لبس الكلمة. فاذا كانت بلدان كمصر والمملكة العربية السعودية وتونس وسواها تبحث في حقوق المرأة ومكانتها في مجتمع يسعى الى التحرر من الذكورية فمن باب أولى ان نبحث نحن في هذا.

غير ان القضية أعمق وأشمل. وهنا خذوا الكنيسة الكاثوليكية مثلاً. هي شطبت من طقوسها ومن معاملاتها ما يمس اليهود (ولا يعني هذا اني أشاطرها رأيها في كل شيء) فمن باب أولى ان ينظر الكتاب المسيحي الى الإسلام نظرة أكثر ايجابية من الماضي وأكثر انفتاحًا. ومن باب أولى لا بد ان تتطهر الذاكرة المسيحية من كل سلبياتها في ما يتعلق بالتاريخ. تجاهل بعض مصادرنا للاسلام ظلم تاريخي. أجل نحن المسيحيين الشرقيين لم نسئ الى المسلمين ولا علاقة لنا بالحروب الصليبية. ولكن من الناحية النظرية لا نزال في حاجة الى رؤية الجمالات الاسلامية دون مساس بصلب العقيدة.

في المبدأ لا تتعرض المسيحية للإسلام لأنه لاحق. لكن فيه قيما وحقائق دينية نلتقي معها ومن المفيد لتكويننا الروحي وسلامة نفوسنا ان نعترف بها والحقيقة انى وقعت هي من الله. طبعًا هناك دقة في تعليم العقيدة ولكن حيثما وجدنا قربى فلنعترف بها وإذا اختلفنا فلنعبّر عن هذا بسلام وهدأة في النفوس ومن أراد ان يجادل فليجادل بالحسنى كما يعلّم المسلمين كتابهم ان يفعلوا إذا هم جادلوا.

لا أستطيع ان أطلب من المسلمين أقل ما أطلبه من علماء ديانتي. فمنهم من اجتهد ومنهم من أغلق باب الاجتهاد ويريدون بذلك ما يتعلق بالفقه. نحن في هذه الأمة في حاجة الى ما كان أشمل من هذا. لا أريد ان أفرض على المسلمين قراءة تاريخية للقرآن فهم في هذا متنازعون. ولكني أطمح الى قراءة سلامية للمصادر الاسلامية لا تحتمل التحفظ عن كون أهل الكتاب هم أهل كتاب وليس فيها تحفظ تفسيري عن ان المسيحية ديانة سماوية. كيف التعامل مع آيات التكفير والتكفير يشمل النصارى وقد بينا في موضع آخر ان النصارى قد يكونون بدعة أو بدعًا في الجزيرة العربية وليسوا من الكنيسة الرسمية. فهناك تكفير لا نرى اننا به معنيون ونحن نشاطر القرآن في آيات تكفيرية عدة لكوننا لا نقول كل ما قاله نصارى عهد التنزيل القرآني. وانا في ذا لست معطلاً للآيات ولكني معطل لتطبيقها على مسيحيي الكنائس في عهد الرسول وفي عهدنا نحن. لا بد إذًا من أجل الحقيقة العلمية من تضييق الهوة التي تفصل المسيحية الحق والإسلام.

يعني هذا الكلام ومثيله انه لا بد من مواقف جديدة لا يبتعد المؤمن فيها عن جوهر ايمانه. ولكنه يتخذ مسافة من المواقف التفسيرية القديمة. الى هذا يجيء الانسان المعاصر من وسائل الاعلام وبعضها – خارج لبنان – فظ وغير صحيح وغير دقيق بحق المسيحية، خصوصًا ان معظم هذه البلدان ليس فيها مسيحي واحد. المهم ان يعتبر كل منا الآخر أخاه ليس فقط بسبب من تعليم ولكن بسبب من القلب. هذا يعني انه لا بد من معرفته ومن الغيرة عليه وهذا يفوق كل حساب ارضي وكل ترتيب سياسي. هذه هي الأمة الجديدة. هذا يتطلب ان ننشئ مجتمعًا روحيًا واحدًا لا يكبله نص ولا يأسره تاريخ مهما ظلم. المهم ان تصنعنا الرؤية. هي التي ترسم مستقبل علاقاتنا والبلد. بلا هذه الخلفية المشتركة نبقى قائلين بالعيش المشترك. القضية ليست قضية عيش على هذه الأرض بما فيها من توازنات. نحن لا نريد توازنًا بل نريد التحامًا. والقلب الذي نجعله إلهيا أعظم من البلد. اذذاك نتوطن السماء ولكنها سماء على الأرض. والسماوات ليس فيها انفعال ولا غضب ولا ردات فعل وليس فيها ديموغرافيا ولا مناصب اذ ليس فيها خوف. هل يخاف الأخ أخاه؟ السالك في الله يحسب كل السالكين فيه أخوة له. ففي الملكوت لن يبقى من نصوص وتزول الألقاب وليس فيها لأحد درجة على الآخر الا بمقدار ما كان له في هذه الدنيا من تقوى. وأمة الله في الآخرة أمة الذين اصطفاهم ربهم برحمته واستدرجهم على معارج الحب.

أجل لا بد من دولة في الوطن تكون كثيرة الشفافية وكاملة الإخلاص لشعبها. وعلى هذا سنعمل معًا في ما وهبنا الله من صدق. وفي الدولة تحسين للناس ولكن فوق الدولة القلوب، تلك التي لا تتكون الا بالذوق الإلهي فيأتي الناس أعظم من الحكم. الدعوة الى اللبنانيين ألا يظلوا أسرى القانون وان يصبحوا قائمين في الله. هكذا يكون لدينا لبنان جديد.