“لا تقتل” (خروج 20: 13) من الكلمات التي اعطاها الله لموسى على الجبل ويقابلها الحكم “من ضرب انسانا فمات يُقتل قتلا” (خروج 21 : 12). لقد قال الله هذا في ما قال لان الانسانية مجرمة منذ البدء حسدا ولكل سبب يجعلنا نلغي الانسان الآخر. عابد الله يقر بوجود الآخر لعلمه انه اخذ من الله حقه في الحياة. ويؤمن العابد ان الخالق احتفظ لنفسه بحقه في استرداد وجود هو اعطاه ولم يفوض الى احد هذا. والقاتل يسلب سيادة الله على الوجود.
اتخذ الناصري هذه الوصية وكشف لنا جذورها لنستأصلها فقال: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم ان كل من يغضب على اخيه يكون مستوجب الحكم” (متى 5: 21 و22) ما قاله السيد عن اسباب الخصومة وما دعا السيد اليه للكف عنها مرتبط بالوداعة التي قال اننا نتعلمها منه. غير ان الذروة في كل هذا ما قاله الله عن وحيده على لسان اشعياء واستشهد به متى: “هوذا فتاي الذي اخترته. حبيبي الذي سرت به نفسي… لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع احد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفئ” (12: 18–20) فان لم يلامسك اللطف الالهي فانت شاتم او ساب او غاضب اي انت قاتل في داخلك لانك لم تغفر واذا لم تغفر تكون قد كسرت الصلح المفروض ان يسوس كل علاقاتك وتكون قد حدت عن ايماننا بأننا جميعا ابناء الله اي ابناؤه بالمعية.
ان ضميرك في هدأته يبغي المعية. لذلك يطاردك القتيل ومن تحسب انك الغيته يقض مضجعك ويقال ان بعضا من القتلة تسبب لهم جريمتهم وخز ضمير لا ينتهي الا بالموت. حدثني احد الاصدقاء الصحافيين انه عرف قناصا اعترف له انه لا ينام وقال: استفيق مذعورا وارى الذين قتلتهم في الثياب التي رأيتهم فيها في الحرب يعبرون امامي الواحد وراء الآخر.
امام هول الفواجع قال داود النبي: “نجني من الدماء يا الله”. انها لنعمة على الحاقدين والكارهين والاشداء في الغضب ان ينجيهم ربهم من ان يقتلوا. القضية كلها تكمن في هذه الانا الفظيعة التي لا تعترف بالآخر بغضا ولا تحس باننا معا نستطيع ان نبني هذا العالم وبالتكامل في ما بيننا. ان تشتهي ذاتك مقررا لكل شيء حاسما كل شيء، فارضا رايك على اهلك وعلى غير اهلك. هذا كله سبب الاجرام. وأما ان تعتبر نفسك واحدا من كثيرين، قابلا اختلافهم عنك، وفي الاختلاف متعاونا يجعلك رجل سلام.
السلام بمعناه الشخصي هو ذلك الهدوء الداخلي الذي عبر عنه القرآن بقول هابيل لاخيه قابيل (او قايين): “لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين” (المائدة 28 – 29) ثم يرتفع التنزيل من حالة شخصية الى كشف انسانية بهية اذ يقول: “من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا” (المائدة 72).
احد ولدي آدم اذاً اراد ان يقتل والآخر لم يرد. فهذا يجعلنا نرفض فكرة المولود مجرما بحكم الوراثة التي روجها الطبيب والعالم الجنائي الايطالي لمبروزو المتوفى سنة 1909. اجل لما كان استاذنا في القانون الجزائي يدحض امامنا هذه النظرية وذلك منذ ستين سنة ونيف ما كان العالم يعرف علم الجينات. غير ان هذا العلم حتى اليوم لم يصل الى امر محتوم يتعلق باخلاقيات موضوعة في الجنين. ما من شك في ان ثمة رجالا مجرمين قد يؤثرون في سلوك اولادهم. ولكن هذا ليس قطعيا اذ تأتي ردات الفعل عند الولد مناقضة. على هذه الصورة يأتي ابن الانسان الغضوب لطيفا جدا لاشمئزازه من غضب ابيه او امه. كذلك اولاد السكير لا يبدون سكيرين بالضرورة. ليس عند احد فطرة على الاجرام.
اما البيئة والقانون فيساعدان. عندما يكون السلاح الفردي شائعا بكثرة ويفاخر الذكر امام اولاده واصحابه باقتنائه فمن شأن هذه الحال ان يصبح السلاح اداة للغضب الشديد ولاسيما في بيئات قاسية. مثل على ذلك اذا كان سائق سيارة مسلحا واصطدم بسائق آخر مسلح ولم يتفاهما حضاريا في شأن الخبير يتحول الوضع الى معركة.
ولكن ينبغي دائما ان نصل الى الاعماق في المصادر الانجيلية كونها اظهرت لب المسألة. فالناصري يقول: “سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. واما انا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر ايضا”. (متى 5 : 28 و29). عين بعين وسن بسن قول من العهد القديم لا يبطل يسوع حرفيته ولكنه يتجاوزه بمعنى انك ان صرت في المسيح لا تحتاج اليه ولا تستعمله. عين بعين… موقف حقوقي تجاوز فيه موسى الثأر فقال ان احتكموا للقضاء. هو المساواة بالقصاص اذ يقتص منك القضاء كما اقتصصت من اخيك. هناك يقول يسوع: ان كان هذا اخاك فما حاجتك الى محكمة. لا تقاوم الشر الذي رأيته عند اخيك بمثله. قاومه بطريقة اخرى. هذا قد آذى نفسه ولم يؤذك ان كنت محبا. فالمحب لا يؤتى شرا. تجاهل اذاً انه قصد اذيتك. واعرف انه اوقع نفسه في خطيئة الغضب او الحقد او الكيد او ما اليها وداوه إذ لما اضر هو بك عيّنك الله طبيبا له. فكّر في الخطيئة التي اقترفها او جرحته. فاذهب وعالجه. واذا لم تعمل هذا تكون قد حزنت لما لحق بك من مضرة ولم تحزن للضرر الذي اصاب الآخر. تكون قد انغلقت واشفقت على نفسك ولم تشفق على الآخر.
غير ان قمة الكلام عند يسوع هو في الآتي “سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فأقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم. وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم لكي تكونوا ابناء ربكم الذي في السماوات” (متى 5: 43–45).
شخص يناصبك العداء لسبب في نفسه. عندما فعل هذا اقام نفسه في سوء الخطيئة وظلامها. انت يطلب الله منك ان تزيل عنه العداوة لكونك تريده طاهرا، معطيا، محبا، مكللا بالمجد الالهي. ليس لك من دواء الا ان تحبه اي ان تنتبه الى حاجاته وتعنى به كما فعل السامري الشفوق الذي عالج يهوديا جريحا ملقى على الطريق وهو على غير دينه.
يتبسط يسوع فيقول بعد احبوا، باركوا ثم احسنوا. باركوا اي استنزلوا النعمة الالهية على الخصم ثم انتقلوا الى الخدمة العملية بالاحسان وقمة الاحسان الصلاة. فخصمك ان كان شريرا فانما يرحمه ربه بالرحمة التي يغدقها عليك. المحبة هنا ليست العاطفة التي لك نحو زوجتك واولادك والاقارب والاصحاب. هي ان تخدم مجانا ولا تنتظر مكافأة. فان عاملت خصمك بهذه المجانية تكون خدمته كما تخدم الرب.
انا لا انكر التربية ومساعي الدولة. ولكن الدول قد تسقط وسقطت والعائلة قد تضعف وهي آخذة بالانهيار في الغرب وبعض الشيء عندنا. سلام الانسان لا يأتيه بالهيكليات الاجتماعية بل من نعمة المحبة التي لا أسمى منها في هذا العالم وفي السماويات. “لا تخافوا ممن يقتل الجسد”. المهم الا تبيد قلبك بالبغض لان القلب هو الذي يقتل.
السلام ينزل على قلبك من فوق ثم يخرج منك الى القلوب الاخرى.
