العبارة تعني – والكلام للمسيح – اننا يوم الاثنين المقبل يمسك المسيحيّون الأرثوذكسيون عن أكل اللحم في استعداد للصيام الكامل، والقراءة الانجيليّة غدًا هي إنجيل الدينونة كما ورد عند متى. والمقول فيه إن المسيح يدين كل الأمم، التي تدين له والتي لا تدين له على قياس واحد وهو قياس المحبّة. الناس خراف وجداء، أي ناس عاشوا المحبّة (وفق قوله: أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم) وناس أحبّوا أنفسهم ولم يحبّوا أحدًا آخر.

وهذا يذهل الأتقياء اذ لن يسأل يسوع أحدًا – في الظاهر – عن صلاته وعن صومه وقد نادى بهما. ليس لأن أعمال الرحمة أهم من الصلاة وهذه لا أقوى منها ولكن لكون المحبة هي كل الشريعة ولا تؤتاك ما لم تكن مع ربّك في تواصل دائم. وقد يذهل الأتقياء كون السيّد يسمّي نفسه ديّانا ونراه في أقدم الفسيفساء ذا نظرات حادّة ولا نراه على الوجه الليّن كما يبرزه الفن الايطالي اذ يقول الكتاب عن الآب إنّه «أعطاه سلطانًا أن يدين لأنّه ابن الانسان» (يوحنا 5: 27). إن من أحب كما هو أحبّ له الحق أن يدين.

ماذا يقول لمن أجلسهم على يمينه أي الذين كانوا يحبّونه وبسبب من هذا أعد لهم الملك؟ يقول: «إني جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني» الى آخر الأقوال المتشابهة. يقول: هؤلاء المعوزون الى طعام وشراب وإيواء وافتقاد اذا أعطيتموهم ما كانوا في حاجة إليه، فإنّكم قدّمتم هذا لي. السيد يتماهى والذين نهملهم على ضعف عاطفتنا. فأنت فعليّا تقدّم لهم ليس شيئًا من هذا العالم ولكن تقدّم لهم نفسك. واذا أنت أعطيتهم وسألت عن أحوالهم حافظًا لهم كرامتهم تكون قد قدمت هذا للمخلص نفسه اذ ليس عندك معيار لمحبتك الله الا اذا أحببتهم هم. الفضيلة التي ترى أنك جعلت نفسك بها أعني حفظك الوصايا هي سعي الى طهارتك وقد يكون هذا خشية على صيتك وقد يكون إطاعة منك لله. لا أحد يستطيع أن يكشف لك أن ما يبدو عندك فضيلة آت من قلب نقي. أما اذا أعطيت الفقير ولم تشهر عطاءك ولم تتفاخر به في نفسك وأصررت على أن تعطي الكثير الكثير حتى يسعد المحتاج أو يتعزّى أو ينتعش بمحبوبيّته عند الله الذي يراه دافعك الى العطاء فأنت لا تعرف نفسك شيئا ولكنّك تعرف أن كلمة الله هي كل شيء.

العلاقة تبدو أنها بينك وبين المحتاج ولكنك قد لا تعرف وجهه أو اسمه وأنت لا تنتظر منه جميلاً ولا شكورًا. تراه مشوهًا بالمرض وحط الدهر من قدره ومعذّبا بسبب من أولاد له لا يأكلون عند جوعهم ويجب ألا يحقدوا وألا يحسدوا الغني أو ابن الغني لتبقى نفوسهم سالمة. أنت جائع الى راحتهم وألا يروا أنفخسهم مهمّشين لأنّ الحرمان تهميش صارخ في الترتيب المجتمعي.

#   #

#

إننا كثيرًا ما نستعمل كلمة رحمة بلا فهم. أجل الرب رحيم ولكنّه لا يعطي الرحمة اعتباطًا ولا يمسكها عن قلوبهم اعتباطًا. نحن لا نستطيع أن نتكل على رحمة الله إن كنّا فارغين من الرحمة ولا نتكّل على غفرانه إن لم نتشدّد بالتوبة فلا مغفرة بلا استغفار.

لماذا وضعت الكنيسة هذا الإنجيل قبل الصوم؟ ذلك أن بعضًا من الصائمين يظنّون أنهم «يشترون» المسيح. ليس من رشوة فوق. كل ما تريده الكنيسة منا في الصوم أن نتروّض على محبّة القريب. ففي الكنيسة الأولى في روما كانوا يمسكون ليعطوا الجائعين. لقد تأسس الصوم ليس فقط للتقشّف أو الاستعفاف. هذا ركن من أركانه. لكن الركن الذي انطلقت منه الكنيسة هو الإحسان ونقول اليوم المشاركة. فأنت اذا أعطيت تبدّد مالاً وتعطي محبة من الله والإنسان. ما عدا ذلك يكون صومك حمية نافعة ولكن هذا لا يكون نزل عليك من قلب الله.

قال أحد القديسين في القرن الرابع: لم يبقَ في روما بسبب الإحسان فقير مسيحي أو وثني. والمحبّة لا تميّز بين الأديان. العقيدة شركة بينك وبين من يؤمن مثلك لكن المحبّة شركة بين جميع البشر. الرحمة من حيث أنها عطاء من جوهر المسيحيّة. ولو اهتممنا للعدالة الاجتماعية التي تقيمها الدولة أو تسعى وانشغلنا بتغيير البنى الاجتماعية وحسنّا أوضاع الفقراء الا أن الدولة ليس القلب من اختصاصها. نحن نعمل على خطّين. خط العدالة الاجتماعيّة وخط المحبّة الشخصيّة لأننا نريد بين الناس عاطفة بين شخص وشخص.

كذلك حال المريض: هو توّاق الى عضد روحي. هذا يذكّرني بأنّي كنت من سنوات مريضًا في احد مستشفيات باريس وعولجت. فجأة رأيت سيدة دخلت علي وقالت لي: «أنا عضو في إحدى الجمعيّات الخيريّة» وسألتني عن صحّتي وعن هويّتي الوطنيّة. شعرت أني لم أكن مرميّا في بلد بعيد وأن إنسانا يهمّه أمري وكان لي في هذا السرد الانجيلي يقول السيّد للذين كانوا بلا قلب: «كنت جائعًا فلم تطعموني وعاريًا فلم تكسوني وسجينًا فلم تأتوا إليّ فيقولون له متى رأيناك جائعًا فلم نطعمك وعاريا فما كسوناك» الى آخر الحاجات التي عدّدها. فيقولون له متى رأيناك هكذا. فقال لهم: ما لم تفعلوه بأحد إخوتي الصغار فلي لم تفعلوه. كان ينبغي أن يوحّدوا بينه وبين المحتاجين الى افتقاد.

طلب المسيح اذًا اليهم أن يروه في الناس فاذا هم لم يروا الناس لا يكونون قد التقوه. القصة هي هذا أن من الناس من له قلب ومنهم من ليس له قلب. على هذه القاعدة لا ينقسم البشر بين من اعترفوا بأن المسيح مخلّصهم ومن لم يعترفوا. القاعدة هي أن القلب يتحرّك الى المسيح المجسّد بالمحتاجين أو لا يتحرّك.

#   #

#

أجل «الفقراء معكم في كل حين». الرب يقرع على أبواب قلوبنا ويكتفي بأن نستضيفهم فيها حتى لا يحس نفسه مطرودًا منها اذا أقصينا عنها أحباءه. في الوطن تجنّدنا الأساسي هو رفع شأنهم. إنّهم الأولية الاولى. والسياسة التي لا تعنى بهم ثرثرة. يبقى أن الدولة قد لا تتغيّر. ولكن كل شخص منّا يستطيع أن يغيّر نفسه بالحنان. أنت لا تفتدي نفسك ما لم يصبح المحتاج فاديا إياك أي اذا جعلته أخا لك. أيّ معوز. مؤمنًا كان مثلك أم غير مؤمن. هو معك في ما نسمّيه نحن جسد المسيح.

لا يكفي أن تعطي اذ ينبغي عليك أن تعلي المحتاج على نفسك وأن تعتبره ملكا عليك. إنّه عند ذاك يقيمك في الملك على نفسك وربّك لن ينتزع عنك هذا الملك. فقد تصبح بالكرم العظيم مشرّدًا وعند ذاك يستقيم ملك الله عليك. واذا قبلت فقرك بسبب الحب المجنون يتحنّن الرب عليك بالطرق التي هو يعرفها وعندئذ لا تحتاج الى شيء من هذا العالم الذي لا يقدر على أن يغنيك وتصح فيك كلمة الانجيل كما يرويها لوقا: «طوباكم أيها الفقراء لأن لكم ملكوت الله».

اذا أنعم الله عليك بالغنى واحتفظت به لنفسك يصبح الغنى سجنًا. لا تتحرّر الا اذا انفتحت قبضتك وصار ما فيها في قبضة سواك. اذذاك توحّد بين القبضتين وتمسي يدك يدًا لآخر وتضحي أنت واحدًا مع الآخر وكل كيانك كيان الآخر فأنت لست فردًا منعزلاً. لا تضرب العزلة الا في المشاركة. تكون، اذذاك، قد اشتريت قلبك لأنه يصير مسكن الله.