مرة رأيتُ دعوى حيث المرأة كانت تضرب الرجل. غير ان الشائع هو ان يضرب الزوج زوجته. وجدتُ حالات في الخصومات الزوجية كان فيها الضرب مبرحا وهذا تعززه التقارير الطبية. الأمر معروف في ارقى البلدان ويسبب الانفصال الفعلي، بالإضافة إلى خلخلة عاطفية وخوف عند الأطفال.

          لست هنا لأحلل الأسباب. البطالة عن العمل، السكر، الخيانة الزوجية هي من الأسباب التي نلمسها. اذًا يجب معالجة السبب. ولعل السبب الكامن وراء هذه الدوافع هي القسوة في الطباع وعدم تحمل الآخر شريكا حقيقيا. وهذا ممكن معالجته عند طبيب نفسي او عند أب روحي. يجب ان يعترف الضارب انه أتى عملا منكرا، وقد يظن الرجل انه هو المؤدب. ولا ارى اساسا لهذا في كتبنا المقدسة. المرأة ليست قاصرا ليعاقبها زوجها. قد يكون هو القاصر ولكنه يستعلي ويتكبر لكونه ذكرا. ويظن ان الذكورة تمنحه امتيازًا، وفي الحقيقة انه يتسلط ويعنف لأن له عضلات ويقدر على القهر. الشيء الحقير في هذا ان الرجل يستقوي على كائن ضعيف عضليا وقيل له ان المرأة يجب ان تطيع الرجل في كل شيء.

          وقد يكون أبله او تفها وخاطئا كبيرا وخاليا من الحكمة ومن التدبير. كيف تطيع المرأة الرجل العربيد او الجاهل؟ الطاعة واجبة لمن أطاع الله. وهي في حقيقتها طاعة لله. وقد يكون الرجل فاسدا او منحرفا من الناحية الجنسية. وهنا يجب رفض ما يطلبه طاعة للوصية.

          الطاعة واجبة للرجل اذا احب. ولهذا يقول الرسول: «أيها الرجال أحِبوا نساءكم كما أَحَبَّ المسيحُ الكنيسة». نحن ليس عندنا خضوع مطلق. يطاع الزوج اذا حاول ان يبذل نفسه عن قرينته على غرار تضحية المسيح نفسه في سبيل احبائه.

          كثير من الناس لم يدخلوا حقا في الزوجية اي انهم لم يدركوا ان للآخر كرامته وله فرادته واننا نتعامل معه كما هو وحسب عقله او ذهنيته. المرأة واجب لها الإكرام باعتبارها على صورة الله ومثاله وباعتبار انها دخلت معنا في مشاركة هي من الله. مَن ادّعى لنفسه مكانة مميزة يجب ان يعلم انها تُلقي عليه مسؤولية اكثر مما تمنحه حقا. نحن ليس بيننا علاقة استعباد ولكن مكانة أخوّة ومحبة.

          قلت اذا كان قادرا (ماليا) على استشارة طبيب نفسي فليفعل. ليس في استشارة طبيب كهذا عيب. وهذا لا يعني الجنون كما يظن السذجة. والطبيب النفسي لا يُغْني عن مرشد روحي كبير يعلّمنا الكتاب ويؤدبنا كأب ويساعد على إنقاذ العائلة. يتعلم الضارب كيف يخرج من انطوائه، من أنانيته، كيف يُسكت غضبه، كيف لا ينتقم، كيف يحلم، كم ينتظر ان ينمو الآخر بالمعرفة والعطاء.

          الضارب فليصلِّ كثيرا كي يهدأ ويعطف ويتخذ الآخر حبيبا. فالزوجة التي تتصرف معها برقة لا سبب عندها كي لا تبقى مخلصة. واما اذا عنّفناها فنحن نعرّضها للرذيلة لأنها تجد او تظن انها تجد -في علاقة غير شرعية- حنانا ورفقا.

          والاولاد في خوف وأحيانًا في خبل وفقدان احترامهم للمعنف. الأب لا يبقى مرجعية للاولاد. كل الهالة التي كان الوالد محاطا بها تتلاشى وتنكسر العائلة شيئا فشيئا وتتبدد. امام الانسان القاسي صورة يسوع القائل: «تعلّموا مني، إني وديع ومتواضع القلب». تلك هي المسيحية العظيمة والشافية.