اذا أحزنك وضع البلد والإنسان تلجأ الى الله الصانع العجائب وحده وإحساس الكثيرين ان لبنان في حاجة الى أعجوبة تفتح الأبواب الموصدة. وفتح الأبواب يتطلّب منا أدعية مكثّفة والرب لا بد مستجيب. وأهم صلاة عندنا صلاة الجماعة حسبما ورد عن المسيحيين في القرن الاول: «وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة (او الشركة) وكسر الخبز (او المناولة) والصلوات» (اعمال الرسل 2: 42). يجتمعون يوم الأحد ليكونوا واحدا ويقووا بعضهم بعضا ويصيروا كيان المسيح الظاهر بالكأس الواحدة.
لا ينكر احد الصلاة الفردية صباح مساء في البيت وفي كل مكان القائمة اصلا على ان تتلى في الكنيسة وما يرفعه المؤمن من أدعية ولكن لا دعاء فرديا يسمو صلاة الجماعة اذ نكون فيها في الحقيقة شخصا واحدا وفما واحدا وقلبا واحدا.
في احد توما الذي اليه نصير غدا حسب تقويم كنيستي نقرأ في إنجيل يوحنا ظهورا ثانيا للسيد لتلاميذه وكان قد تراءى لهم مساء يوم الأحد الذي قبله اي يوم قيامته. اذ ذاك لم يكن توما معهم وأعطاهم الروح القدس اذ كانوا معا منتظرين المعزي الذي وعدعم به بعد العشاء السري. ثم ظهر الرب في الأحد الثاني وكان، عند ذاك، توما معهم وكان لم يصدق ان الرب ظهر فقال له المعلم: «هاتِ اصبعك الى هنا فانظر يدي، وهات يدك فضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا». لماذا وبّخ السيد هذا التلميذ على عدم الايمان؟ لا اجد طبيعة عدم ايمانه الا بأنه لم يصدق إخوته التلاميذ. كانت شهادتهم كافية ليؤمن. فلكون توما انفصل عقله وقلبه عن عقل زملائه الرسل وقلبهم وقع في خطيئة الجحود. كان ينبغي ان يكون مع الجماعة ولو غائبا عنها.
المتخلفون عن قداس الأحد اذا سألتهم عن غيابهم يجيبونك: نحن نصلي في البيت. كيف تريدني ان اصدق ان الذي يغط في النوم ثم يحتسي القهوة مع زوجته ثم يفطر كان لحظة في حالة صلاة، انه يفكر في الواقع انه لا يحتاج الى ان يقف مع الجماعة المصلية وان يكون قلبه الى قلبها ووجهه الى وجهها ليرى الله من عليائه اننا نشكل معا وجه ابنه على الأرض. طبعا يؤلمني هذا التهاون وهذا الإعراض عن الاخوة اي هذا الانعزال العميق عن المشاركة.
الفردية متأصّلة فينا- على هذا الصعيد وعلى غيره- والفردية هي الانقسام والتجزئة والتبعثر والخروج الفعلي عن الأمة المقدسة. قد لا يعي الغائب اننا نحن نصلي في الكنيسة للإخوة «الذين تغيّبوا عنا لأسباب ممدوحة». ما عدا ذلك ما العذر؟ انا لا اذكر هنا الذين فقدوا كل ايمان ولكني لست اظن ان في الشرق انسانا ملحدا بالمعنى الكامل. غير ان المحبة لله تفتر وافتقادنا للإخوة قد يتعطل وهذا اهمال للذين يحبونك ويريدونك مرصوفا في صفوفهم اي انهم لا يستغنون عنك وانت بالتغيّب استغنيت عنهم.
# #
#
عندنا قانون من بدء المسيحية يقول: ان من تغيب ثلاثة آحاد عن الكنيسة فليقطع اي فليخسر العضوية. والمعنى انك مدعو الى الكأس المقدسة ولا عذر لك ان خفت من ان يلقي عليك العسكر الروماني القبض. وكانوا يذهبون الى الكنيسة وهم تحت التهديد.
يؤلمني جدا اذا اعطيتكم احصاء تقريبا عن الذين يحضرون صلاة الجماعة. ففي المنطقة التي ارعاها لا يتجاوزون العشرين بالمئة اذا كانوا كثرا. لست هنا لأعالج امام قرائي هذه الصعوبة. ربما وجب إكثار الكنائس ولكن هناك معابد تستوعب ومع ذلك يسود في احيائها اهمال كبير.
في بلدان بعيدة عنا كثيرا يسوق المؤمن سيارته بين ساعة واربع ساعات ليصل الى الكنيسة لأنه ساع الى الخبز السماوي كما يقول يوحنا. عندما كنت اسمع في البيئة التي نشأت فيها الكثيرين يقولون: احس بضياع كامل يوم الأحد اذا اضطررت الا اشارك في القداس الالهي. هل من له هذا الشعور اليوم؟ ليس يقول يسوع: «الكلام الذي اكلّمكم به هو روح وحياة». هل قصرنا بتبليغ هذه الرسالة؟ هل اهمل المسؤولون نقل الايمان؟ هذا بحث آخر ولكن هل معذوراحد بإهمال الألم الذي يكابده المصلون عندما يجدون انفسهم قلة اي عندما تتحول الكنيسة الى قاعة نصفها شاغر فلا تكون جماعة بل حجر.
لماذا صلاة الجماعة؟ الجواب البسيط هو لكوننا كنيسة اي جماعة الذين يومنون بيسوع. حتى لو صلّى احد وحده فهو من الجماعة اي انه عضو في جسد المسيح. وانت تتحقق عضويتك في هذا الجسد عندما تتناول القرابين المقدسة اذ عند ذاك تصير من الجماعة. لكون هذه تجتمع قال بولس: «أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في دم المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فلما كان هناك خبز واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأننا نشترك كلنا في هذا الخبز الواحد» (١كورنثوس 10: 16و17).
هذا يدل على ان خصوصية الكنيسة لا تقوم بالبناء وحسب ولكن بتناول الكأس. واذا كان ثمة ضرورة لإقامة الذبيحة خارج مبنى الكنيسة فالكنيسة قائمة في المجموعة البشرية التي تشترك بالقرابين المقدسة. في هذه الأيام، منذ عهد النهضة الذي بدأه شبابنا نرى المؤمنين جميعا يقتربون من الكأس ولم نبقَ في الزمان الذي لم يكن احد يقبل الى المناولة الا يوم الخميس العظيم او ثلاث او اربع مرات في السنة. صح ان الانسان يصبح عضوا في الكنيسة بالمعمودية ولكنه لا يبقى عضوا فاعلا الا اذا أقبل على الذبيحة الإلهية في كل يوم أحد وعيد. انى لك ذلك وانت مضطجع على سريرك صبيحة الأحد مدعيا انك تصلي؟
كيف تعيّد للقيامة كل احد وانت مستلقٍ في غرفتك؟ كيف تعي هذه القيامة عندما تتناول فطور الصباح في منزلك ثم تقوم بنزهة مع أولادك؟
صح ان الله موجود في كل مكان ولكن المسيح قال: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» وقال عن الكأس: «اشربوا منها كلكم. هذا هو دمي للعهد الجديد». بهذا نقيم العهد معه اي بهذا نحبه ويظهر لنا ذاته. غير ان العهد قطعه هو على صليبه. ولكن كيف تعلن ايمانك بالمصلوب اذا لم تقبل قول الرسول: «فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تعلنون موت الرب الى ان يأتي» (١كورنثوس 11: 25).
كيف تكون غريبا عن اخيك، كيف تنعزل عن المكان الذي قصده ليستمع الى الكلمة الإلهية التي تؤهله ليتحد بالمخلص فيصير من المخلص والمخلص اليه. للمسيح حضوران هو حددهما: اولا بالانجيل وثانيا بالكأس المقدسة. انا ما انتزعت المسيح عن قلبك اذا تواريت عن الإخوة. ولكن هذا الذي في قلبك اذهب اليه حيث يجتمع الإخوة وأعطهم ما في قلبك وخذ ما في قلوبهم لتكونوا جماعة يراها هو واحدة فيه. هكذا تسيرون معا اليه واذا انعم عليكم بالكلمة والكأس تسيرون في الله وتصبحون معا سكان السماء ولو بقيت أجسادكم الآن على الأرض.
لقد تحسس بعض من شعبنا منذ سنوات قيمة الذبيحة الإلهية بعد ان كانوا قديما يهتمون للإنشاد وحده. باتوا الآن أكثر لصوقا بالمخلّص كل حسب فهمه وكل بمقدار حبه. والفهم يزداد عند من فهم قول الكتاب: «ذوقوا وانظروا ما اطيب الرب» (مزمور 34: 8). وهذا يتحقق بامتياز عندما تلامس الكأس شفتيك فتنزع آثامك وتطهّرك من كل خطيئة.
اذا كنت لا تهجر عائلتك الجسدية كيف تهجر عائلة الرب وهم اقرب اليك من أبيك وأمك؟ الى هذا صلوات مختلفة خارج القداس لا تؤتى انت معانيها ما لم تلازم الكنيسة في المواسم الكبرى وفي المواسم الصغرى. وبعض منها يتمم خارج اوقات عملك. واذا كان جسدك يتنشّق الهواء فإن روحك لا تتنشّق بصورة كاملة الا اذا سكنها الله بكلمته. انها في امتدادها وعرضها وشرحها هي في الكتب الطقسية التي لا تقتنيها في بيتك. واذا تلوتها مع الإخوة او استمعت اليها ترتفع قامتك الروحية وتمتشق حتى السماء. لا تتقزم روحيا بالجهل. الله يحييك بما قاله مرة واحدة وبالعبادات التي وضعها بإلهامه آباؤنا القديسون.
«استيقظ ايها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح» (افسس 5: 14). لا تسترخ. ان الله لا يحب المسترخين. بادر بالجهد الذي قال لنا الله كيف يكون. اهتزّ وتعال الينا فتستوعبنا ونضمّك الينا ويستوعبنا الله جميعا حتى نتحرك به واليه. الجماعة في حاجة اليك ولا تكتمل الا بك فتعرف عندئذ ان هذه الجماعة عليها بهاء الله.
