الذي يتخذ لنفسه إلها كالمال والجنس خطيئته اقل بكثير من الذي اتخذ نفسه إلها. والناس يعتقدون ان هذا الكلام مبالغة كاتب ديني ولكن الصادق بين المستكبرين يرى نفسه كذلك. الصراع الحقيقي ليس بين إله اسرائيل القبلي وآلهة الأمم الغريبة ولكنه بين رب العالمين وبينك، وانت لا ترى غيرك في العالمين. ولأن المستكبر ليس سخيفا لا يتوقع ان يسمع له أحد لو قال “انا ربكم فاعبدوني” ولكنه يتصرف كذلك اذ لا يرى له منافسا في الكون ولا عديلا.
في اللغة وفي بعض مدلولات السلطة القهر. ولكن الجذر ورد بمعنى ان من سلطه الله يتسلط وفي ما نحن متأملوه الآن ان للخطيئة سلطانا على الناس وانها لا تصل الى ذروتها الا بالظلم. ذلك ان الذروة ان تمحو الآخرين ليتسنى لك ان تلعب ألوهيتك. في اعمال الرسل يتكلم الكتاب عن «سلطان الشيطان» (18:26). وفي سفر الرؤيا (9: 10) حديث عن سلطان يؤذي الناس.
القهر منتشر في كل مجال: في السياسة، في الدين الذي يشبه السياسة، في دوائر المعرفة. وقد أشار يسوع الى اخطار السياسة بقوله لتلاميذه: «أنتم تعلمون ان الذي يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وان عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم. بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما. ومن اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدا. لأن ابن الانسان ايضا لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مرقس 10: 42-44) بمعنى ان عظماء الشعوب الوثنية هم في حالة التسلط وتقبل الخدمة من رعايا. اما قول المسيح فهو اننا مدعوون على مثاله ان نبذل أنفسنا عن الآخرين حتى الموت واننا ننال بذلك السلطان الذي تغدقه علينا المصلوبية. انت في نسيان نفسك يذكرك الله وتصبح في ذكراه شيئا. وهذا يعفيك من ان تلتمس من أحد مجدا لأنك ان فعلت لا تكون طالبا مجد الله. وتقع عند ذاك، بخدمة مألوهيتك.
أنت، انسانا سياسيا، راهب منذور لا تمدح احدا ولا تدغدغ مشاعر أحد لأنك تكون استعملت انسانا وسيلة للاستمرار في مكانتك ولعلك أتيت اليها بوسيلة غير شرعية او لعلك تستحقها فأتيت وتربعت واستلذذت نفسك جالسا على مقعد وكان ثمنه ان بعت نفسك لمن كان اقوى وأفعل. لم تكن خدمتك هي المبتغى وكنت انت وما تجنيه من وجاهة منتهى مسارك. وتكون قد سقطت في جحيم الأنا وما فيها من ظلم وظلام. ويصير البلد مغلولا لكل من سادت عليه في السلطة أناه وتزول دولة الله في دولة الناس. السياسة كما تعاش هي منفى الله. وقبل التفتيش عن الله في متروكيته نكون في حالة الترميم لأمور من دنياكم باهتة تافهة لا تروي غليلا ولا تكافح الموت. وهكذا يتحول ميدان السياسة الى كفر بالإنسان فيما رآه الأقدمون مسرحا للحكمة.
إذا عيشت السياسة هكذا تسمى في تصنيف الرذائل المجد الباطل ولكن في كثرة من البلدان ليست منفصلة عن اشتهاء المال. ان عشق الترف والأبهة المتفرعين من المجد الباطل لا يغذيان الا بمال. وقد عرف آباؤنا القديسون رذيلتين متلازمتين يسمونهما حب السلطة من جهة وروح التسلط من جهة. ويرى الروحانيون القدامى ان روح التسلط تخامره احيانا المواهب العقلية (المعرفة العلمية، الأدب، اللغة، الخطابة). فكثيرا ما أتت المعرفة سلطانا على البسطاء وتحكما.
المعرفة كانت خدمة وانت تمدها الى الناس في تواضع وليس لتنتفخ فيها وتتعاظم فقد جعلتك موهبتك حاملا اياها ليكمل الناس بها فاذا استطبت انت قدراتك العقلية باعتبارها زينة فلا بد لك ان تستكبر وبدل ان تعزز الناس بها تكون قد استصغرتهم في إذلال. وإذا كنت خطيبا قد تتحذلق وتلمس قوتك فتتباهى داخليا ولو قلت العكس بدل ان تفرح بتبليغ الحقيقة وكان عليك ان تحس انك مجرد معبر ليصير الناس الى القناعة التي كنت عليها. كل حسنة فيك زرعها الله لتمجيده تؤول تمجيدا لفذلكاتك. هذا المجد الباطل يصير عليك ثوبا كاذبا لعريك وانت غافل عن انك “تزور الطبيعة والفضيلة نفسها” كما يعلم مكسيموس المعترف. في عميق الأعماق هذه صنمية يقول عنها القديس مكاريوس المصري: “الناس الذين يمدحونك هم آلهتك “بعد ان اقنعوك بهتانا انك بت، في عظمة لك موهومة، إلههم. طبعا هذيان جماعي بين الممدوح ومادحيه اذ يولي الإنسان وجودا لما ليس له وجود. وفي هذا ينخدع المادح والممدوح. لذلك قال الكتاب: “ويل لكم اذا قال عنكم جميع الناس حسنا” (لوقا 6: 26). والقلب الذي يدغدغه الإطراء تختلط عليه الرؤية البسيطة ويتشوش. فالإطراء يزيدك نهما له فتسعى الى مادحين جدد حتى تثبت نفسك في هذا اللهو الدائم. وفي حقيقة المداحين انهم يهزؤون بك وهمهم الوحيد ان يظلوا محيطين بك ليكون لهم هم ايضا ظهور. ومن تنطح للزعامة واعترفوا له بها يكون في نفسه محتقرا لمن بايعه وتبقى له كبرياؤه لكونها كثيرا ما تولدت من المجد الباطل.
الكبرياء يعتبرها الروحانيون أعظم معصية لكونها استعلاء على البشر كلهم او بعضهم. وقد يستعلي الإنسان لسبب او لعدم سبب. انه ينظر الى الناس من فوق. يعتقد ان عنده أكثر مما عندهم او أهم أو أجمل. “اللهم انا اشكرك اني لست مثل باقي الناس الخاطفين الزناة” (لوقا 18: 11). ما من كبرياء الا بالمفاضلة. لذلك كان المستكبر دائما ظنونا ومهيأ دائما للنميمة. انه كما قال باسيليوس الكبير “ينشر دائما ما عنده ويجتهد ان يبدو أفضل مما هو عليه”. انه دائما مقتنع بنفسه وبما يقول، مدع، عالم بكل شيء، مدفوع ابدا الى تزكية نفسه مناقض للغير، متعامٍ عن عيوبه، رافض لكل نقد، لكل لوم، يأبى ان يأمره احد.
ويشتد هذا الرفض إذا كان من مجّد نفسه صاحب مقام في الكنيسة. انت تأمر الآخرين في الكنيسة بتفويض إلهي. اي انك تقول كلمة الله وتفصلها في استقامة بسيف الروح وتعدل بين الناس اي تقول الكلمة الواحدة لاثنين وجدا في ظرف واحد او في الخطأ ولا تدلي برأي الا اذا استقيته من الله بحب ونفسك في سلام. ولا تؤتي احدا برأي عن انفعال او غضب او تشفيا منه لأنك قائم كوكيل على اسرار الله كما يقول بولس. ذلك ان ليس لك من أحد منفعة لشخصك لكونك في مقامك لمنفعة الناس. وفي هذا قال اوغسطينس للمؤمنين: “انا اخ معكم وأسقف ازاءكم”. وترجمتي لها اني لا اقدر ان اكون عليكم رقيبا الا اذا كنت لكل منكم أخًا. واذا تحققت اخوّتي لكم آمركم بنعمة المحبة التي تتوخى فقط بنيانكم في المسيح.
فلهذا من كان مسؤولا كان عليه ان يجمع ما امكنه من المعطيات بحكمة وان يقابل هذه المعطيات بفكر المسيح كما يقول الرسول. فاذا لم تتغير معطيات الواقع يكون الجواب واحدا ان أتاك المؤمن اليوم او أتاك غدا. واذا جاءك مؤمن اخر حاملا وضعا شبيها فلا تحابي انت الوجوه ولا تفرق بين من رأيته قريبا لك بالعاطفة ومن كان بعيدا لأنك توزع الخبز السماوي على كل جائع بالاندفاع نفسه اذ ان همك ان ترفع الناس بأعظم قدر من الغذاء ولو كان مكلمك مجحفا لك او ظالما بظن السؤ فيك او برغبة مجانية في التحدي او التمرد. “فذكر انما انت مذكر. لست عليهم بمصيطر” (سورة الغاشية، الآية 22).
لك ان تلوم وان تكون شديد اللوم حتى التوبيخ لأنك تريد ان يقيم الآخر في الحقيقة. وحسبك انه يعود الى الحقيقة. ويكون، اذ ذاك، قد عاد الى ربه لا اليك. ولا تسعَ ان تكسب عطف أحد ولكن ان يكون الله على من تلومه عطوفا. فالأمر امر الله والتوبة اليه وحده. لك ان تدل من تلوم على خطيئته ولكن ليس بالمقدار الذي يجعله يائسا من إصلاح نفسه. لك ان تحلل لأخيك او من كان دونك مرتبة الدوافع الكامنة وراء معصيته حتى يعي جسامتها وهذا ما تفترضه الأبوة الروحية الحكيمة ولكن فوق كل ذلك وأعظم قدرا ان تبين جمال الحق الذي لم يره من انت تؤدبه. ذلك ان النور يصلحنا أكثر مما يصلحنا كشف الظلام. ثم لازم المتابعة او المراقبة لأنك رقيب اذ ائتمنت على استقامة الرأي واستقامة السلوك وقل الشيء ذاته ان تكررت الخطيئة ونفسك في سلام لأنك لست مكافح احد ولكنك مكافح خطيئته.
غير ان هذه الرياضة مستحيلة ان لم تروض نفسك كل يوم على كلمة الله ليقيم الناس جميعا في النور وإذا لم تحاول ذلك تكون خالطا بين كلمة تصعد من مزاجك وكلمة تجيء من قلب الله. وهذا عمل شاق ولكن عليك ان تقوم به لئلا تصبح متسلطا مثل رؤساء الأمم وتنسى انك قائم في مقامك لتسير الى الموت فإلى القيامة.
وقد يكشف لك الزمان ان هذا الذي لمت او وبخت كسب الكثير مما بذلته من اجله وهذه ذروة فرحك.
وأنت والآخر تجيئان من الله الذي جعلك راعيا للنفوس.
ألم تسمع قول حزقيال: “أليس على الرعاة ان يرعوا الخراف. الضعاف لم تقووها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردوها والمكسورة لم تجبروها والضالة لم تبحثوا عنها، وانما تسلطتم عليها بقسوة وقهر. فأصبحت مشتتة بغير راعٍ” (حزقيال 34: 2-5). أمام هذا المشهد الذي يصفه النبي يقول السيد: “انا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يوحنا 10: 11).
كل رعاية في الأمة او في كنيسة الله متركزة على قول المخلص: “تعالوا اليّ جميعا ايها المرهقون المثقلون، وانا اريحكم. احملوا نيري وتتلمذوا لي فإني وديع متواضع القلب” (متى 11: 28 و29). في كل علاقة بين البشر اللطف هو المدخل الى ملكوت الله والحقيقة.
