ولدٌ مريض يقول أبوه للمعلّم سائلاً الشفاء «ابني به روحٌ أبكم» اي روح شرير سبّب له الخرس وعوارض مرضيّة تدل على داء الصرع. الوالد يطلب الشفاء «إن استطعت شيئا فتحنّنْ علينا وأَغثنا». إيمانه بيسوع غير واضح، إلا أنه سمع بأن الناصريّ صانع عجائب، فلماذا لا أطلب أعجوبة. المسيح يواجه هذه النفس المضطربة. يلاقي هذه الرجل على طريق شكّه فيقول له: «إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن». الرب يتنازل اليه علّه يتحرك، لعلّه يؤمن. يبكي هذا الرجل كأنه رأى في سؤال يسوع له دعوة الى ايمانٍ متتزعزع عنده.
عند ذاك، يقول هذا الرجل: «إني أومن يا سيد، فأَعنّي على رغم عدم ايماني»، والأفضل انها تعني: قوِّ رغبتي في الإيمان ورغبتي في شفاء ولدي.
لمّا سأل التلاميذ المعلّم: «لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟»، قال لهم «إن هذا الجنس لا يمكن أن يخرج الا بالصلاة والصوم». ربما أرادت الكنيسة قراءة هذا الفصل من مرقس في هذا الموسم الصياميّ لكون النص جمع بين الصلاة والصوم، وهما رُكنا هذه الفترة الصيامية.
الصوم يدلّ على أن تفريغ البطن من الطعام هو إرادة أن نملأ شخصيتنا الداخلية من كلمة الله، ومن هذه الزاوية هو والصلاة واحد. والصلاة هنا لا تعني مجموعة صلوات مرتّبة كل يوم طقوسا محدّدة، ولكنها الشركة مع الله، الاتحاد به بحيث إذا طلبت شفاء مريض مثلا يكون الله هو الفاعل بواسطتك هذا الشفاء، اي تكون وربك قائما بالعمل نفسه.
التلاميذ لم يكونوا، عند ذاك، أصحاب هذه القدرة. ما كان الروح القدس نازلا عليهم وما كان ملأَهم بتلك النعمة التي تراهم عليها في سفر أعمال الرسل. المرضُ غالبا ما كان هبوطا للكيان، تخلّفًا ما، أزمةً ما، والسلامة هي ما يريده الله. غالبا ما كانت نهوضا وتسهيلا لسيرنا نحو الله وعلامة للكمال الروحي. لذلك يريدها الله ويمهّد لها بواسطة المؤهلين لاستنزالها من الله. يهيء لها بإيمان من يشفى وإيمان المحتاج الى السلامة. لذلك وضع الله سرّ مسحة المرضى الذي يعبّر عن حنان الرب ودعوة الى شكره وتسبحته.
الله في المؤمن يعطيه المؤمن لمن احتاجَ الله. فكما تدفع الإنسان الى توبة بالإله الذي انت تائب اليه، تلتمس من الإله القدير فيك أن يحلّ على المريض ليقوم من كبوته ويلتصق بربه بالصحة.
المقطع الأخير هذه التلاوة الإنجيلية هو ما نسمّيه الإعلان الثاني عن الآلام، وهذا سرد في طريقنا الى القيامة التي هي غاية الصوم الذي نحن فيه. ومع أن يسوع أعلن قبل ذلك موتَه وقيامتَه، بقي التلاميذ غير فاهمين لأنهم لن يفهموا غاية آلامه إلا بعد أن تكون قد حصلت وتمّت القيامة ونزل عليهم الروح القدس. أعمال الخلاص الذي قام به السيد لا تدخل إليك وتحوّلك إلا بالصلاة والصوم.
يشفى هذا الشاب ويصير إنسانا جديدا بقوة يسوع، وأنت بدورك في الكنيسة تجعل إخوتك والناس خارج الكنيسة أحياء ومُلامسين المسيح إن صرت إنسانا جديدا، او بالحري المسيح الذي حوّلك اليه بالصلاة والصوم يجعل كل الناس خلائق جديدة، ينطقون بعظائم الله، ولا يبقى أحدٌ أَخرس كما كان الولد المصاب في هذا هذا الفصل الإنجيليّ الذي نُقيم فيه ذكرى القديس يوحنا السُلّمي مُعلّم النُسك في الصوم والصلاة.
