العشارون جباة الضرائب في عهد السيد. والجباية الرومانية تلزيم بحيث تحدد الدولة المبلغ الذي تطلبه من مدينة او قرية ويفرض الجابي على كل فرد المبلغ الذي يريده حتى يصل الى المبلغ العام المطلوب. وكان من المألوف ان يأخذ اكثر بكثير مما تطلبه السلطات ويبقي الفرق لنفسه. ورئيس الجباة هو الذي ينظمهم في المنطقة ويأخذ ما يريده من كل واحد منهم.
زكا كان رئيسا لمجموعة من الجباة. ولكونه كان موظفا عند السلطة الأجنبية، كان اليهود – الى جانب اتهامه بالسرقة – يكرهونه.
لماذا اراد زكا ان يرى يسوع؟ الفضول لماذا؟ أهو الفضول ام رغبة في الهداية اذ لا بد انه سمع عن المعلم. كان عارفا انه لا يستطيع ان يشق دربه الى يسوع، والجمهور كان يكره العشارين. انما اراد الا يفوت عليه فرصة الرؤية. ماذا يصير بعد الرؤية؟
تجاوز زكا ما كان يحول بينه وبين مشاهدة السيد. كانت هناك جميزة من التي تزيّن الطرق القائمة بين المدن. وكان من المنتظر ان يسلك السيد الطريق العام ولا يدخل الى ازقة أريحا. فلما ادرك السيد هذه الشجرة رفع طرفه فرأى العشار، وكأن الكاتب يوحي بأن يسوع هو الذي يطلب الخطأة. قال للرجل: “يا زكا اسرع انزل فاليوم ينبغي لي ان أمكث في بيتك”. وكأن السيد احس بأن له دالة على الرجل. فالصديق وحده يدعو نفسه الى بيت صديقه. ما قال: اني سأقوم بزيارة لك قصيرة بل قال “ينبغي لي ان امكث في بيتك”. هي قضية ساعات في النهار وربما كانت سهرة طويلة. ومن وراء الحادثة الى ما يخص كلا منا، يريد يسوع ان يمكث معنا. “ان امكث في بيتك” لا ينتهي معناها بأني سواجهك في منزلك. فالبيت رمز للشيء الوجداني عندنا. انا، يوحي يسوع، اريد لقاء حقيقيا، في العمق.
ازاء هذه الدعوة يقول لوقا: “فأسرعَ ونزل”. كان السيد قال له: “اسرع انزل”. ما قال لوقا: نزل، ولكنه قال: “اسرع ونزل”. ينفذ حرفيا ما قاله يسوع. ثم يكمل لوقا كلامه: “وقبِله فرحا”. هذا شرف لم يكن يتوقعه. اما كان زكا يحس بأن قبوله يسوع بفرح يُلزمه بكل نتائج الاستقبال؟ المسيح يطلب الطهارة كاملة، وتعليمه عنها شديد وليس عنده أنصاف حلول. لا ينتظر زكا ان يقول له المعلم: قلل من السرعة فتهتدي شيئا فشيئا. يسوع جذري دائما.
لا يلتفت الى قول اليهود الذين لاموه لكونه اراد ان يحل عند رجل خاطئ. لم يواجه هذا التذمر. يهمه زكا الذي قال للسيد: “ها أنذا يا رب اعطي المساكين…”. فهم زكا العشار ان التوبة تعني اولا لوم الإنسان ماضيه، وثانيا تحركه من الماضي الى حاضر طيب، طاهر. زكا يريد: سأكفر عن كل سيئاتي. لن اعود اليها. حياتي ستكون جديدة. يعطي المساكين نصف ماله فيبقى النصف. ثم اذا غبنتُ (وقد غبن)، أردّ اربعة اضعاف. سيبقى القليل القليل اذًا من ثروتي. ولكني حصلت على حنانك وغفرانك ولا يهمني شيء آخر. فيقول المعلم: “اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”. الوعد بتغيير الحياة هو كل الفرح. واخيرا: “ان ابن البشر انما أتى ليطلب ما قد هلك”.
ما من انسان مسجل نهائيا على لائحة الهالكين، فإن من ظنه البشر هالكا ينقذه الله بالتوبة ويجعله “خلقة جديدة”. إنجيل زكا ينذر – في ترتيب طقوسنا – ان الصوم قد اقترب، واننا داخلون في فرحه على رجاء الفصح.
