في قول متّى «الى العبر» قصَدَ أن التلاميذ ذهبوا الى القرية المسمّاة بيت صيدا على البحيرة ما يعني أن أعجوبة إكثار الخبز جرت على الضفة الغربية من بحيرة طبريا، فكان على السيد أن يصرف الجموع التي أكلت من الخبز.
«صعد الى الجبل وحده ليصلّي». متّى لا يسمّي الجبل. يسوع صلّى في بشريته الى الآب. هذا صنعه مرارا. هبّت ريح مضادة للسفينة. هذا كان يحصل في بحيرة طبرية فإنها كانت كبيرة (طولها 12 كيلومترًا). مشى السيّد على البحر ليصل الى تلاميذه. كان هذا عند الهجعة الرابعة من الليل اي ما بين الساعة الثالثة والساعة السادسة صباحا. اليهود كانوا يقسمون الليل الى أربع هجعات.
«فلما رآه التلاميذ ماشيا على البحر اضطربوا ومن الخوف صرخوا» اذ ظنّوه شبحًا. هناك خوفان: خوف الذين يشكّون اذ هذا يُحدث خللا في النفس، وخوف الذين يؤمنون بسبب من الهيبة التي تستحوذ علينا عندما نواجه الله. بهذا المعنى نقول في القداس: «بخوفِ اللهِ وإيمان ومحبة تقدّموا». هذا طبيعيّ اذ لم يشاهَد إنسانٌ يمشي على المياه. اذ ذاك، قال لهم: «انا هو». هذه عبارة وردت في سفر الخروج إذ تكلّم الله هكذا عن نفسه، ووردت مرّات في انجيل يوحنا.
لما رأى بطرسُ الربَ، قال له: «إن كنتَ انت هو فمُرني أن آتي اليك على المياه»، فسمح له السيد بذلك، ولكن «لما رأى شدة الريح خاف». الواقع أن الإنسان لا يرى الريح ولكنه يسمعها. لماذا قال متى رأى؟
نفهم من هذا الكلام أن بطرس لما كان يتطلّع الى وجه يسوع قدر أن يمشي على المياه، ولكن لمّا تحوّل نظره عن عينَي السيد لخوفه من العاصفة غرق. عند ذاك، قال له «يا رب نجّني». انت اذا غرقت في بحر الحياة وهمومها تغرق. ألا نقول في القداس «لنطرح عنّا كل اهتمام دنيوي»؟ النفس يجب أن تكون دائما منشغلة بيسوع وحده. وبّخ يسوعُ بطرس لأنه شكّك بالمعلّم. هدأت الريح لمّا دخل الرب الى السفينة والى تلاميذه. إنهم اطمأنّوا إليه. لا شيء في الطبيعة بعد وجودهم مع المخلّص يُقلقهم لأنهم باتوا فوق كل ما يُقلق. «سجدوا له» اي عرفوا أنه الرب. لمّا استعمل متّى كلمة «سجدوا» وحّد بين يسوع والله، اذ لا سجود عند اليهود إلا لله، وقالوا جميعا «انت ابنُ الله». هذا ما سيقوله بطرس في ما بعد.
إيمان التلاميذ هو ذاته إيمان بطرس. لا ينفرد هذا الرسول عن بقية الرسل في هذا الاعتراف. كلّ حياتنا قائمة على أنّ يسوعَ ابنُ الله. هذا ما يُميّزنا عن قوم آخرين. هذه هي حياتنا. يسوع لم يبدأ بولادته من مريم. كان ابنَ الله منذ الأزل قبْل أن يصير ابنا لمريم. سرّه أنه إلهنا الكامل والإنسان الكامل والمخلّص الذي كمّل الخلاص وليس مِن مخلّص سواه. ورجاؤنا هو اليه وحده.
