يتكلم الرسول في هذا المقطع من الرسالة الى أهل غلاطية عن إنجيله قائلا انه تسلّمه بإعلان يسوع المسيح له. واضح أن بولس لا يتكلم عن الأناجيل الأربعة ولم تكن كُتبت بعد. غير أننا نلحظ بعد تدوينها خلال القرن الأول أن مضمون ما علّمه بولس هو ذاته مضمون الأناجيل الأربعة. كل ما علّمه بولس، بطريقة أو بأخرى، هو عن موت السيّد وقيامته، وقال كلمة عن مولده، وسرد الحديث عن العشاء السري.

ثم أوضح الرسول أن الله أفرزه من بطن أمه ودعاه بنعمته ليُعلن ابنه فيه ليُبشّر بين الأمم (الوثنيّة). بولس يحمل تعليما تلقّاه مباشرة من الرب يسوع، وهذا كافٍ لتثبيت صدقيّة بولس الرسول.

أخذ الرسول في هذا المقطع يحكي باختصار سيرته فقال «إني كنتُ أَضطهد كنيسة الله بإفراط»، ومَثل عن ذلك ما ورد في أعمال الرسل عن اشتراكه بمقتل القديس استفانوس. غير أن يسوع ظهر له على طريق دمشق التي كان ذاهبا اليها بتفويض ليُلقي القبض على المسيحيين وغيره يسوع بظهوره له تغييرا كليا إذ جعله تلميذا له حارّا يجوب الأرض كلها لينشئ جماعات مسيحية وإليها بعث برسائله المعروفة عندنا في العهد الجديد ونقرأها في كل قداس كما نقرأ رسائل من غيره من الرسل.

في هذا الفصل يؤكد أنه بعد ظهور الرب لم «يُصغِ الى لحم ودم» أي لم يتردّد باتباع يسوع فأكمل طريقه الى دمشق ليُعمّده حنانيا ويُطلقه من دمشق، فقال إني بعد لقاء حنانيا لم أَصعد الى أورشليم الى الرسل الذين قبلي لأتأكّد من صحة ما أومن به «بل انطلقتُ الى ديار العرب»، ويُرجّح معظم المُفَسرين أن ديار العرب تعني حوران وكانت تُسمّى «العربية» في الإدارة الرومانية، ولا بدّ أنه كان هناك بعض المسيحيين.

لا يقول الكتاب شيئا عمّا فعله بولس في حوران الى جانب الصلاة وتأمّله في العهد القديم الذي يظهر هو في ما كتبه علاقته به. كان بولس يربط معرفته بيسوع بمختَلف أسفار العهد القديم.

ثم يقول «بعد ذلك رجعتُ الى دمشق». لماذا الى دمشق؟ هي المكان الذي ظهر فيه حبّه الأول ليسوع. لا نعرف المدّة التي قضاها في حوران. عندما يقول إني بعد ثلاث سنين صعدتُ الى أورشليم، هل يقصد أنه بقي في الشام ثلاث سنين، أم يقصد ثلاث سنين قضاها في حوران ودمشق معا؟ لا نعرف ولا يهمّنا أن نعرف. بعد هذه السنين الثلاث يقول «صعدتُ الى أورشليم لأزور بطرس». كان لبطرس أهمية خاصة في الجماعة الرسولية. فأقام بولس عنده خمسة عشر يومًا سمع فيها الكثير عن الرب يسوع الذي عايشه بطرس. ثم لم يرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب. البقيّة كانوا بلا ريب تركوا فلسطين الى البشارة. بعد هذا انطلق بولس الى العالم.