دعوة التلاميذ الاولين متشابهة جدا -تكاد تكون حرفيا- في الأناجيل الإزائية اي الثلاثة الاولى. ففيما كان السيد ماشيا على شاطئ بحر الجليل، وهو بحيرة طبرية، دعا بطرس واندراوس أخاه فيما كانا يلقيان شبكة في البحر (متى 4: 18-23). دعاهما ان يتبعاه فورا ليجعلهما صيادَي ناسٍ اي زارعين للكلمة بغية جمع البشر حول المسيح.
السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو بأية قوة يدعو، وما الدافع عند الرسولين كي يتركا كل شيء ويسيرا وراء المعلم؟ لقد قيل مرة في الإنجيل: «لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان» (يوحنا 7: 46). كان جذب في ناسوته عجيب، وداعة وقوة بآن. كان يحمل إلى الناس لغة جديدة، حرارة لم يألفوها عند الفريسيين الذين كانوا يكلّمون الناس على شرائع موسى والأحكام الإضافية التي تحميها. هذا كان عنده رحمة ورفق ورأفة بالخطأة. والذين قساهم المجتمع المتديّن المتعصب كان المعلّم الجليلي يلملمهم. ما كانوا يُحسّون عُلوّه استعلاء وإدانة لهم. وما كانوا يُحسّون عنده انهم رعاع كما يسمّيهم الفريسيون.
إلى جانب الجمالات الروحية التي كان يتحلّى بها، كانوا يستمعون اليه «في مجامع اليهودية» اي في تلك القاعات التي كانوا يجتمعون فيها في السبوت. إلى جانب هذا اتخذ شاطئ البحيرة مكانا للتبشير في الهواء الطلق كما يبدو في مطلع لوقا 5 اي ان دعوته لأندراوس وبطرس لم تكن عند هذين بدءا مطلقا. لقد مهّد لها. غير انه نقل، هذه المرة، كلامه من نداء عام إلى نداء خاص. اراد هذين له شخصيا. الرب ترك لنا الإنجيل يدعونا فيه. ولكن تنقدح لحظة ينزل فيها علينا الروح القدس ليخصّصنا بالكلام المرسَل إلى الكل. أو يحصل التلاقي في صلاة أو ترتيلة نكون قد سمعناها مئات من المرات بالأذن وما كان بين الأذن والقلب عبور. فاذا تنزّلت الكلمة على القلب يتصور فيه المسيح ونعي حضوره. هذا هو الاغتسال بالروح. ربما انشددنا آنذاك إلى الرب انشدادا كليا لا رجوع عنه.
هذا ما حصل للتلميذين الأوّلَين. تركا للتوّ شباكهما اي ما كانا يعيشان منه والتحقا بالمعلم. هما كانا مأخوذين بأشيائهما كالسمك في الشبكة. لم يبق بينهم وبين يسوع حاجز. هذه هي الهداية. القلب متعلّق به وحده الآن. ليس مرتبكا بشيء آخر. نقول عند ذاك للسيد: «مكانُكَ في القلب هو القلبُ كله».
ما حصل ليعقوب بن زبدى ويوحنا أخيه من بعد دعوته انهما تركا للوقت كما الأَوّلان. لم يتحيّر الأربعة بين هاجس المعيشة والذهاب وراء يسوع الذي لم يكن لديه ضمان لمعيشة. ليس عنده مهنة. الاربعة لم يتساءلوا كيف يَحيون هم وعيالهم. كان بطرس ويوحنا تركا الشباك فقط. اما يوحنا ويعقوب فتركا اباهما ايضا وهو أهم. اهتداؤنا نحن المسيحيين الحقيقي، الصادق يتطلب احيانا كثيرا أن ننفصل عن اصدقاء وعن بعض الأهل. وهذا شيء مؤلم. ذلك ان الأقربين يحاربوننا -ولو كانوا ظاهريا في الكنيسة- اذا لاحظوا ان تَقوانا اشتدت. ولكن إلى اين نذهب؟ نحن نعرف ان الحياة الأبدية عنده.
