ينطلق بولس، في هذا المقطع من الرسالة إلى أهل أفسس، من رحمة الله للبشر، ثم يسمو الى محبته التي أَحبّنا بها فيما كُنّا تحت نير الخطيئة و«أَحيانا مع المسيح»، وبهذا يقصد أنه أقامنا معه. كنّا في صميم قيامته، وهذا كله لا يأتي من حسناتنا «فإنكم بالنعمة مُخلَصون». والنعمة دائما مجّانيّة أكُنّا على شيء من الصلاح وكثير من الشر. محبته تُملي عليه أن يُنزل علينا نعمته.
ثم على كوننا كنّا في قلب قيامته، يؤكّد من جديد أنه ضَمّنا اليه في قيامته و«أَجلسنا اللهُ في السمويات في المسيح يسوع». وهذه الحقيقة نُعيّد لها يوم خميس الصعود. ومعنى ذلك أنه لمّا جلس يسوع عن يمين الآب في بشريته كنّا معه في صميم البشرية.
جلوس السيد عن يمين الآب وعدٌ للبشرية المؤمنة بهذا الجلوس نفسه. هو نزل إلينا بالتجسّد وعاد الى الآب بالصلب والقيامة.
ويرى بولس الرسول أن نتيجة هذا الصعود أن يُظهر الآبُ في كل الأزمنة الآتية «فَرْطَ غنى نعمته». هو في حالة الذهول امام عظمة هذه النعمة التي نلناها بالمسيح.
ولكن، حتى لا يظنّ القارئ أنه بجهاده سيصعد الى الله، أكّد ثانيةً أننا بالنعمة مخلّصون، وهي تنزل علينا بواسطة الإيمان الذي يسكبه الله مجانا على أحبائه، ويؤكد ذلك بقوله: «ذلك ليس منكم إنما هو عطيّةُ الله». الله عنده هو دائما المبدئ وهو يكلل الذين أخذوا الإيمان. فالله اذًا هو المنتهى.
ثم ينتقل الى فكرة مرتبطة بما سبق: «نحن صُنْعُه مخلوقين في المسيح يسوع». وهنا يُبيّن بولس أن الخلْق الأول إنما أُعطيناه بواسطة المسيح، وأن لنا خلْقا جديدا الآن بالمعمودية. غاية الخلْق الأول والخلْق الثاني أننا مصنوعون للأعمال الصالحة التي «سبق الله فأَعدّنا لنسلُك فيها».
نحن نأخذ بالنعمة والطاعة قوة الأعمال الصالحة. ندخل الى أرض الله دخولا. نأخذ من ثمارها ونُصبح إلهيين. كل قوة الله تصبح فينا بالإيمان، وإذا عرفنا أن الايمان يُكوّننا نتّجه الى معطي الإيمان أي الثالوث القدوس.
هذا هو بهاء الإنسان المسيحي أنه دائما يجيء من الله وينمو بالله ويسكن في حضن الله بالشكر والتسبيح وكل صلاة. عندما نفتتح الخدمة الإلهية بقولنا: «أيها الملك السماوي» يقينُنا أنه ينسكب فينا ويأخذ كل كياننا ويجعل كياننا يصلّي. بلا انسكاب الله فيك لا تستطيع أن تقول كلمة واحدة حتى تصل الى السماء وترتّل مع الملائكة لمجد الله.
المسيح مجد، وقيامته مجد، ونحن إن آمنّا حقيقة نصبح في حالة التمجيد هنا وفي السماء.
