رسالة الكرم من أبلغ ما كتبه بولس في الكرم. يستهلّ الحديث بشجب البخل ولكن دون استفاضة مع انه رذيلة كبيرة. يدعو الرسول المؤمنين ان يعطوا بلا تأسّف او اضطرار كما نوى المعطي في قلبه بمعنى ان العطاء ينبغي ان يقترن بالمحبة، بل يذهب بولس الى ان يكون المعطي متهللا.
مكافأة لهذا التهليل يوضح صاحب الرسالة ان الرب «يزيدكم كل نعمة»، ولا يفيد هذا الكلام ان الله يمنحكم خبزا او عيشا راغدا، ولكنه يشمل العطاء الروحي ايضا لأن محبّتكم تخصبها محبة الله لكم فتستطيعون ان تزدادوا في كل عمل صالح. ثم يشير الى كلام جاء في المزامير: «بدَّدَ، أعطى المساكين فبرّه يدوم الى الأبد» (مزمور 112: 9).
لا يقول الكتاب فقط «أعطى المساكين» فهذا موجود عند الكثيرين، ولكنّه يقول: بدّد، اي أعطى كثيرا جدا وربما أعطى كل ما يملك. ثم يصعّد بولس لهجته ويؤكّد ان الرب يرزق الزارع زرعًا وخبزا للقوت…
«ويكثّره، ويزيد غلاتكم». الكثيرون عندهم هذه الخبرة، وهاكم قصة جرت معي أقنعتني بأن ثمة صلة بين المحتاج وربه. جاءني في سنوات الحرب مَن قال لي: انا بحاجة الى ثمانين ألف ليرة -وكانت، آنذاك، مبلغا مهما- لأني اريد ان اشتري صمامًا لقلب زوجتي، وهذا ثمنه. قلت له: ليس عندي هذا المبلغ فغادرني الرجل بعد ان دمع.
بعد قليل ذهبت الى غرفة السكرتاريا في مطرانيّتي لأبلّغ المكتب شيئًا اذ انقطع آنذاك التلفون الداخلي، فرأيت الرجل جالسا عند الباب الخارجي، فسألته ما بالك انت هنا. قال لي اريد مبلغ المال. قلت له سأعطيك إياه. قال لي: انت قلت لي ليس عندك هذا المبلغ. أجبته أنت تركتني منذ خمس دقائق، ومنذ دقيقتين صار المبلغ عندي لأن أحد المؤمنين هاتَفَني قائلا: اني مرسِل اليك ثمانين ألف ليرة اي المبلغ ذاته الذي طلبه الرجل.
عند ذاك قلت في نفسي هذا لا يمكن ان يكون نتيجة الصدفة فإن وجع هذا الرجل صعد الى الله، والله ألهم رجلاً كريمًا بإرسال المبلغ نفسه إليّ. فاذا هو المبلغ ذاته الذي طلبه هذا الرجل مني. لست أعلم، الله يعلم.
ثم يصرّ بولس على الكرم ويقول: تستغنون في كل شيء لكل سخاء خالص (اي خالص لوجه الله وليس للمكابرة) فلا تدّعون شيئًا ولا تستعظمون أنفسكم بل ترفعون شكرا لله الذي ألهمكم العطاء.
اذا أردت ان تربح السماء فإنك تربحها مع المساكين. لا تصعد وحدك الى السماء ولكنك تصعد مع الذين أحببتهم او ساعدتهم.
يرفعك عطاؤك الى الملكوت الذي صرت أنت منه في هذه الدنيا.
