من زاوية مسيحية، روحية كيف ننظر إلى قضية القدس؟ اجل لها اهمية كبرى لأن السيد قضى حياته على الأرض هناك وصُلب فيها وقام. ولكن ما أولى المسيحيون الاوائل اهمية لها قبل القرن الرابع حيث اخذ المؤمنون يقصدونها من كل صوب، وتنظمت في المدينة ثم حولها في دير مار سابا العبادات المسيحية كلها، وفي القرن الخامس اعتُبرت اورشليم البطريركية الخامسة بعد روما والقسطنطينية والاسكندرية وانطاكية.
إلاّ ان الأهمية القصوى ليست للحجر ولكن للبشر. انهم هم مقدَّسون اكثر من الأراضي المقدسة. فالمسيحيون هناك صاروا بسبب الهجرة قليلين. كانوا حوالي 75000 قبل الحرب، وأمسوا الآن عشرة آلاف او اكثر بقليل بسبب الضغوط التي تمارَس عليهم والقوانين الظالمة التي تفرّق بينهم وبين اليهود. بيت لحم المجاورة التي كانت مدينةً معظم سكانها مسيحيون، صار هؤلاء فيها قلة. أمانينا الا تضعف الكنيسة هناك عددا لتبقى شهادتنا حية وكنائسنا مفتوحة. ومن الصعوبات التي يعانيها الارثوذكسيون ان الرئاسة الروحية هناك أجنبية (يونانية) غير قادرة على القيام بالوعظ باللغة العربية وهي صادمة للرعية وجارحة لها لأن البطريركية تبيع الكثير من اراضي الوقف لليهود او تؤجرها إجارة طويلة. وما يغري الارثوذكسيين بترك كنيستهم ان السلطات الروحية الأخرى (الأنكليكانية منها واللاتينية) صارت كلها عربية.
الأهم من الأماكن المقدسة الشعب المقدس الذي تقوم عليه حملة شرسة من الحكومة الاسرائيلية. أكتبُ هذه السطور ومنذ قليل رأيت على الشاشة قصف رام الله وغزة، ولست اعلم كيف تكون عليه الحالة عند وصولكم «رعيتي». نرجو ألاّ يباد الشعب الفلسطيني ولا سيما انه أعزل وليس عنده سلاح يقاوم به. ويموت الأطفال ويسقط الجرحى بالمئات ولا يتحرك العالم. ظلم رهيب يحل بالإنسان، وليس من يرفع الظلم.
اكتب اليكم على رجاء التهدئة والسلام الذي في ظله تنمو الشعوب. نحن طلاب سلام ولكنا ايضا طلاب عدل. ذلك ان القهر قنبلة موقوتة. نحن المؤمنين بيسوع نطلب السلام لكل البشر العائشين على ارض فلسطين. ولكن العدل وحده يحفظه. العدل يعني ان تتجمع الأرض الفلسطينية ولا تكون جزرا متفرقة، وأن تَحْكم هذه الأرض دولةٌ لكي يعيش هذا الشعب بكرامة.
كذلك يقتضي العدل ان يعود اللاجئون الى بلداتهم وقراهم هذه التي ولدوا فيها وأحبوها وعلّموا اولادهم حبها. هذا جزء من الحل العادل. لا يجوز ان يبقى هذا الشعب مشتتا.
والعدل –كما القوانين الدولية– يقضي ان تعود القدس إلى اهلها. لا يجوز للاغتصاب والاحتلال ان يدوم. لا يجوز ان تكبّ 4 ملايين انسان خارج بلادهم.
بهذه الشروط الثلاثة تنكشف لنا اهمية البشر، وتعود القدس رمزا للعالم المسيحي فنحج اليها للتبرك. مدينة المسيح لا يجوز ان يملكها شعب يكره يسوع ولا يعترف به. المسلمون لهم طريقتهم في تكريم المسيح ويذكرونه في كتابهم وعاشوا معنا خلال قرون فصارت المدينة المقدسة مرتعا لأهل هاتين الديانتين. ليس من الطبيعي ألاّ يصلّي المسلمون في مساجدهم ولا ان يصلي المسيحيون في كنائسهم. كذلك لا يكفي تأمين حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة. المسيحيون والمسلمون يحبون –وهذا حقهم– ان يسكنوا حول معابدهم. القدس بمعنى الحجر والبشر هي مطلب عدل لنا.
