نبحث في العولمة بسبب من نتائجها الثقافية والروحية اذا نجحت. وهي آتية لا محال تفعيلا للاقتصاد الليبرالي الجديد والسوق العالمية التي تعني تبادل السلع بين الدول جميعا. وما يرافقها انتشار اللغة الانكليزية الرهيب بحيث يظن بعضهم انها قد تطغى على اللغات الأخرى فيزول تراثها. الكثيرون لا يعتقدون ان هذا الطغيان اللغوي ممكن، فالشعوب متمسكة بلغاتها ولو استعملت الانكليزية للتجارة.
ما يخيف حقا هو ان تستبد الدول العظمى بالدول الصغرى اقتصاديا فتستغل مواردها ولا تفيدها كثيرا. ما كانت تحلم به الدول النامية، اي التبادل المتكافئ، لن يكون. فهناك تصميم على ان العالم الأول اي العالم الصناعي يحتكر الصناعات الأساسية والتكنولوجيا العليا. في ظل استعمار متجدد بطرق اخرى قد تُساء معاملة الكبار للمسلمين والعرب، وهذا من شأنه أن يؤذينا نحن مسيحيي الشرق في علاقاتنا مع المسلمين الذين لا يزالون يظنون ان الغرب مسيحي. ونحن نريد ان نبقى شهودًا للمسيح في الحضارة العربية كما كنا دائمًا وأعطيناها الكثير كما أعطتنا الكثير.
نحن ليس بمقدورنا لا من حيث نحن عرب ولا من حيث نحن مسيحيون أن نقاوم ظاهرة العولمة حتى تعطيلها. ولكنا نستطيع أن نحمي أنفسنا روحيًا من ويلاتها. وهذا لا يتوفر الا بنهضة روحية كبيرة تجعلنا نحيا من المسيح في كنيسته وذلك بالتقارب مع الكنائس المسيحية الأخرى التي لا بد ان تذوق هي نهضة فيها. طبعًا ليس من السهل أن تحيا في بلد مقهور وتظهر مقهوريته ليس فقط في اختلال الأمن ولكن في الفقر. ان هذا التردّي الاقتصادي سوف يدفعنا الى الإيمان بالمشاركة الكبيرة بالأموال بين المؤمنين.
قد تأخذنا «موضة» العولمة وترجمتها على كل صعيد في الفن، في التربية. ولا بد أن تبني الكنائس بعض وسائل الإعلام الحديث، وقد دخلت ذلك الحقل منذ الآن.
نحن لا نخشى اي تطور في الحضارة. لقد خشي المسيحيون ظهور العلم الحديث وظنوا انه يناقض الكتاب. تصالحوا الآن مع العلوم. نحن لسنا أعداء التكنولوجيا. نتبنّاها حيث ليست ضد الأخلاق. ولكن لنا موقف من استبداد الشعوب بالشعوب. ونحن ننصر الضعيف. هل يمكن أن تهتدي الدول العظمى الى انها لن تثبت اذا بقيت مستبدة بالصغار؟ هذا ما نرجوه.
لا يجوز أن يظل الصغير مصلوبًا ويموت جوعًا كما هو حاصل في عدة بلدان؟ هناك ملايين من الناس ليس عندهم ماء الشفة نظيفًا. هذا اذا لم نتكلم على أمراض تفتك خصوصًا بشعوب الدول النامية. غير ان مواجهة كل ذلك غير ممكنة الا باستنفار كل قوانا الروحية وتمكننا من تلك المحبة للضعاف وهي التي تدفعنا الى كفاح ثقافي وسياسي في سبيل بشرية واحدة تضيق فيها المسافة بين الغني والفقير، بين أهل هذا الدين وأهل ذاك، هذا اللون او ذاك. يسوع هو مخلّص الانسان والحضارة.
